فهرس الكتاب

الصفحة 156 من 256

... ويتجلى من ذلك أنَّ الحياة لها أحد ركنين: عيش ماجد، أو موت، وكأن الشاعر الصعلوك قد تمرد على هذه المنطقة الوسطى التي تقع بين العيش الماجد والموت . وتؤكد لامية العرب للشنفرى كثيرًا من هذه المعاني ،بحيث يستبدل الشاعر الناس بالحيوان، ويستبدل الأصحاب بأخر، بقلب لا يعرف الخوف ،وسيف صقيل، وقوس قوية:

وإنِّي كَفَاني فَقْدُ مَنْ ليسَ جَازيًا

بِحُسنَى ولا في قُربِهِ مُتَعَلِّلُ (1)

ثَلاثَةُ أَصحابٍ: فَؤَادٌ مُشَيَّعٌ

وأَبيضُ إصْلِيتٌ وَصفراءُ عَيْطَلُ (2)

... وكان الخوف يكتنف حياة الصعلوك من كل جانب، خوفًا على حياته وحياة أسرته، وخوفًا من القبائل التي تحاول القضاء عليهم، وخوفًا من الموت في أثناء غاراتهم في السلب والنهب، يقول عروة ابن الورد:

أَرَى أُمَّ حَسّانِ الغَداةِ تَلومُني

تُخَوّفُني الأّعداءَ والنَّفسُ أَخْوَفُ

تَقولُ سُليمى لو أَقمتَ لَسرَّنَا

وَلَمْ تَدْرِ أَني للمُقَامِ أُطوّفُ

لَعلَ الذي خَوّفتِنا من أَمامنا

يُصادِفُهُ في أَهلِهِ المُتخلفُ (3)

ويقول أيضا: (4)

تَقولُ لكَ الوَيلاتُ هلْ أنتَ تارِكٌ

ضُبُوءًا بِرَجلٍ تارةً وبمنسرِ (5)

ومُستثبِتٌ في مالِك العامِ إِننَّي

أَراكَ على أقتادِ صرماءَ مُذكِرِ (6)

فَجُوعٍ بها للصالحينَ مَزَلَّةٍ

مخُوفٍ رَدَاها أنْ تصيبَكَ فاحذرِ (7)

(1) ـ الجازي بالحسنى: الذي يعمل الخير، التعلل: التلهي .

(2) ـ المشيع:المقدام، الأصليت:السيف الصقيل المجرد من غمده، الصفراء: قوس نبع، العيطل:القوية الطويلة العنق.

(3) ـ أبو الفرج الاصفهاني، الأغاني، 2 / 187 .

(4) ـ الاصمعي، الأصمعيات، ص 44 ـ 45 .

(5) ـ الضبوء: اللصوق في الأرض، المنسر: الجماعة من الخيل بين الثلاثين والأربعين، وقيل منسر لأنه مثل منسر الطائر .

(6) ـ الأقتاد: جمع قتد: وهو خشبة الرحل، الصرماء: القليلة اللبن، المذكر: التي تلد ذكورا .

(7) ـ فجوع: تفجع للناس .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت