فهرس الكتاب

الصفحة 164 من 256

... وكان العربي يدفن قتلاه، ولكنه يترك قتلى أعدائه دون دفن تأكلها الوحوش والطيور، وكأنه جزء من فعل كانت الحضارات القديمة تمارسه في تعذيب أعدائها بعد الموت، وهذا ما كان يفعله العراقيون القدماء لأنهم اتخذوا من » بقاء جسد الميت بدون دفن وتعريضه للجوارح والكواسر وسيلة للانتقام من الأعداء لغرض حرمان أرواحهم من الاستقرار في العالم الأسفل « (1) .

... وقد آمن الجاهلي بحتمية الموت، وأنه أمر واقع لا محالة، وهذا ما ذكره شعراء الجاهلية، يقول الحصين بن الحمام المري: (2)

أَبَى لابنِ سَلمى أنه غيرُ خَالِدٍ

مُلاقي المنايا أَيَّ صَرفٍ تَيمَّما (3)

فَلستُ بمُبتاعِ الحياةِ بِسُبَّةٍ

ولا مُبتَغٍ من رهبةِ الموتِ سُلَّما

ويقول الأسود بن يعفر النهشلي: (4)

إنَّ المَنيَّةَ والحُتُوفَ كِلاهُما

يُوفي المخارمَ يَرقُبان سَوَادِي (5)

لن يَرضَيا مِنِّي وَفاءَ رَهينةٍ

من دُونِ نفسي طارِفي وتِلادِي (6)

وقال أبو دؤاد الإيادي: (7)

وكهولٌ بَنَى لهم أَولُوهُمْ

مأثُراتٍ يَهابُها الأقوامُ

سُلِّطَ الدهرُ والمَنونُ عليهمْ

فَلَهُمْ في صَدَى المقابرِ هامُ (8)

وكذاكُم مَصيرُ كلِّ أُناسٍ

سوفَ، حَقًا، تُبليهُمُ الأيامُ

ويقول عمو بن كلثوم

وَإنا سَوْفَ تُدرِكُنَا المَنَايَا

(1) ـ نفسه، ص 118 .

(2) ـ المفضل الضبي، المفضليات، ص 69 .

(3) ـ أي صرف تيمما: أي جهة قصد .

(4) ـ المفضل الضبي، المفضليات، ص 216 .

(5) ـ الحتوف: جمع حتف وهو الموت، يوفي: يعلو، المخارم: جمع مخرم وهو منقطع أنف الجبل،

سوادي: شخصي .

(6) ـ الرهينة: الرهن، طارفي وتلادي: المال الحديث والقديم .

(7) ـ ... الأصمعي، الأصمعيات، ص 187 .وانظر عن حتمية الموت حديثا مفصلًا ونصوصا شعرية عند: مصطفى الشورى، شعر الرثاء في العصر الجاهلي، ص 30 ـ 43 .

(8) ـ ... الهام: جمع هامة، روح الميت تصير هامة تطير .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت