فهرس الكتاب
مُقَدَّرةً لَنا ومُقَدِّرينا (1)
ويقول طرفة بن العبد:
أرى قبرَ نحّامٍ بخيلٍ بمالِهِ
كقبرِ غَوِىٍّ في البِطالةِ مُفسِدِ (2)
ترى جثوتينِ من تُرابٍ عليهما
صفائحُ صُمٌ من صَفيحٍ مُنضَّدِ (3)
أرى الموتَ يَعتامُ الكرامَ ويَصطَفى
عَقيلةَ مالِ الفاحِشِ المُتشدِّدِ (4)
أرى العيشَ كنزًا ناقصًا كلَّ ليلةٍ
وما تَنقُصُ الأيامُ والدّهرُ ينفَدِ
لعمرك ! إنَّ الموتَ ما أخطأ الفتي
لكالطِّوَلِ المُرخى وثِنياهُ باليدِ (5)
... ومن الطبيعي أنْ يؤثر هذا على رؤية الشاعر، إذ كان » من نتائج الإحساس بحتمية الفناء والموت، التهافت على لذات الحياة ومتعها، كما كان يفهمها الشاعر الجاهلي . فما دام الموت يترصده في كل خطوة، وما دامت الحياة ستنتهي إلى رمس مظلم في برية مقفرة، فليتزود منها ما استطاع، ليغرق نفسه في لذائذها ومباهجها، فقد لا تتاح له هناك حياة مثل هذه الحياة، على ما فيها من شظف وخشونة، يقول طرفة:
فَذَرْني أُروّي هَامَتِي في حَياتِها
مَخَافَةَ شُربٍ في المَمَاتِ مُصَرَدِ (6)
كَرِيمٌ يُروّي نَفسَهُ في حَياتِهِ
سَتَعْلَمُ إنْ مُتْنَا غَدًا أَيّنا الصَدي « (7)
(1) ـ الزوزني، شرح المعلقات السبع، ص 165 . يقول: سوف تدركنا مقادير موتنا وقد قدرت تلك المقادير وقدرنا لها، المنايا، جمع منية وهي تقدير الموت .
(2) ـ النحام: البخيل، الغوي: الذي يتبع هواه ولذاته، البطالة: اتباع الهوى والجهل .
(3) ـ الجثوة: الكومة من التراب، الصم: الصلبة .
(4) ـ يعتام: يختار، العقيلة: أراد كريمة المال، الفاحش: أراد البخيل، المتشدد: الكثير البخل .
(5) ـ الزوزني، شرح المعلقات السبع، ص 90 ـ 91 . الطول: الحبل، ثنياه: طرفاه .
(6) ـ الهامة: طائر يخرج من رأس القتيل، ولا تهدأ حتى يؤخذ بثأره، مصرد: مقطوع .
(7) ـ مصطفى الشورى، شعر الرثاء في العصر الجاهلي، ص 41 .يقول أنا كريم يروي نفسه أيام حياته بالخمر، ستعلم أن متنا غدا أينا العطشان .