فهرس الكتاب
... وقد قدم الجاهليون تصورين مختلفين عما وراء الموت، التصور الأول: يلغي أنْ يكون هناك عالم آخر وراء الحياة الدنيا، وأنه لا حساب ولا عقاب، وقد ورد ذكر هؤلاء في القرآن الكريم، ومنه قوله تعالى» وَقَالُوا إِن هي إلاّ حَياتُنَا الدُّنيا وما نحنُ بمبعوثين « (1) وقوله تعالى: » وأَقسَمُوا باللهِ جَهْدَ أَيمانهِم لا يَبعثُ اللهُ مَنْ يموتُ بلى وعدًا عليه حقًا ولكنَّ أَكثرَ الناسِ لا يعلمون « (2) وقوله تعالى: » زَعَمَ الذَّينَ كَفرُوا أَن لن يُبعثوا قُلْ بلى وربي لَتُبعَثُنَّ ثم لَتُنبؤُنَّ بما عَمِلتم وذلك على الله يسير « (3) وهناك نصوص شعرية تؤكد ذلك (4) ، والتصور الثاني: يعتقد بحياة أخرى بعد الموت، وانَّ الإنسان يحشر، وكانوا يتصورون الحشر رحلة طويلة قاسية كرحيلهم في الحياة، وقد استمدوا جانبًا من تصورهم للرحلة للعالم الآخر من الواقع المادي الذي يعيشونه، أي من واقع الصحراء، ولذلك اتسم بقدر من البساطة من ناحية، واتسم بأثر الرحلة في الصحراء التي تقتضي دابة تحمل الإنسان، وما دامت الرحلة في العالم الآخر أشد قسوة من عالم الدنيا، لذلك اشترطوا راحلة قوية نشيطة تحمل الإنسان . وقد أطلقوا على هذه الراحلة » العقيرة « أو » البلية « أو » الذية « وهي » الناقة التي كانت تعقل عند قبر صاحبها إذا مات حتى تموت جوعًا وعطشًا، ويقولون إنه يحشر راكبًا عليها، ومن لم يفعل معه هذا حشر راجلًا . . . وأنهم كانوا يعكسون رأس الناقة أو الجمل أي يشدونها إلى خلف بعقر إحدى القوائم أو كلها لكيلا تهرب، ثم يترك الحيوان لا يعلف ولا يسقى حتى يموت عطشًا وجوعًا، ذلك لأنهم كانوا يرون أنَّ الناس يحشرون ركبانًا على البلايا، ومشاة إذا لم تعكس مطاياهم عند قبورهم ... وأوصى رجل ابنه عند
(1) ـ سورة الأنعام، أية: 29 .
(2) ـ سورة النحل، آية: 38 .
(3) ـ سورة التغابن، آية: 7 .
(4) ـ انظر: مصطفى الشورى، شعر الرثاء في العصر الجاهلي، ص 30 .