فهرس الكتاب
... أُغني غنَاءَ الذاهبينَ أعدُّ للأَعداءِ عَدَّا
ذَهَبَ الذين أُحبُّهُم وبَقيتُ مِثلَ السّيفِ فَرْدا
ويقول امرؤ القيس: (1)
أَلا يَا عَيْنُ بَكِّي لِي شَنينَا
وَبَكِّي لِي المُلوكَ الغَابرينا
مُلوكًا مِنْ بَني حُجْرِ بنِ عمرٍو
يُسَاقونَ العَشيَّة يُقْتَلونا
فَلو في يَومِ مَعْركَةٍ أُصيبوا
وَلكنْ في دِيار بَني مَرِينا
فَلَمْ تُغْسَلْ جَماجُمُهم بِغِسلٍ
ولكنْ بالدِّمَاءِ مُرَمَّلِينا
تَظَلُّ الطَّيرُ عَاكِفَةً عَليهِم
وَتنْتَزعُ الحَوَاجِبَ والعُيونَا
يقول متمم بن نويرة في رثاء أخيه مالك:
لَقَدْ لاَمَني عِندَ القبورِ عَلَى البُكَا
رَفَيقِي لِتَذرافِ الدّموعِ السَوَافِكِ
فَقَالَ أَتَبكي كُلَّ قَبْرٍ رَأَيتَهُ
لِقَبرٍ ثَوَى بين اللّوى فالدكَادكِ
فَقُلتُ لَهُ إِنَّ الشَجَا يَبعثُ الشَجَا
فَدَعْني فَهذا كُلُّهُ قَبْرُ مَالكِ (2)
... ففي هذه الأبيات تجربة إنسانية عميقة يتحدث فيها الشاعر عن المثير الذي يبعث فيه الحزن والأسى، وتتجسد في النص مكونات إنسانية، وهي الصديق اللوام الذي يعذل صاحبه من كثرة البكاء، وهناك مكونات مادية متمثلة في القبر وهو المثير للأحزان، فإذا كان المكان، أعني قبر مالك مثيرًا للشاعر فلقد أضحى كل قبر مثيرًا للأحزان، لتماثل الصفتين، ليدلل على تجربة إنسانية واحدة، مفادها أنَّ الشجا يبعث الشجا أو يبعث البكا . ومن الجدير بالإشارة أنَّ القيمة الصوتية قد تولدت من عدة أصوات تكررت في هذه الأبيات وهي القاف والكاف، وهما من الأصوات الحلقية الشديدة، مما يساعدان في التعبير عن حالة الحزن والحرقة في هذا السياق بخاصة .
... وقد تميز شعر الرثاء بالعناية بخصائص المرثي، وقد تركزت عناية الشعراء بوصف الشجاعة والكرم والحزم والعزم، قال المهلهل بن ربيعة:
(1) ـ امرؤ القيس، ديوان امريء القيس، ص 200 .
(2) ـ زيد ين علي الفارسي، شرح كتاب الحماسة، 2 /374 . وأخذت برواية » إن الشجا يبعث الشجا «.