فهرس الكتاب
... وما دامت الصورة الأدبية تستمد قسمًا من عناصرها ومكوناتها من المعطيات الحسية، فإنها لا تنفصل كثيرًا عن جذرها اللغوي »التصوير » ، غير أنَّ » التصوير « ليس العنصر الوحيد الحاسم في تكوينها وتحديد طبيعتها، لأنَّها لا تنفصل أيضًا عن مكونات ذهنية (1) تكتنفها وتحتويها، ولا يعني هذا أنَّ تجاور التصوير والتعبير الذهني يعني تكامل مكونات الصورة، أو يعني تحديدًا لماهيتها وطبيعتها، فإنَّ الصورة أكثر تعقيدا من هذين البعدين، وأشمل من أن تتخلق من تجاورهما . لأنَّ الصورة ليست كيانًا منتزعًا خارج التشكيل اللغوي للنص الأدبي، وإنما هي منبثة في ثناياه وذائبة في مكوناته، تمامًا، كما أنَّ الإيقاع في الشعر لا يتأتى وجوده دون تتابع مقاطعه التي تتراكب بكيفية معينة من تضام الوحدات الصوتية للغة، فلا وجود لإيقاع في اللغة والشعر دون الوحدات الصوتية كذلك لا يمكن أن يتأتى للصورة أن توجد دون التشكيل اللغوي الذي يتم تجادلهما من خلاله في عملية خلق واحدة، وتلتقي الصورة مع الإدراك، فكل منهما يتعامل مع الأشياء بكيفية معينة، فالكلمات في الصورة الأدبية تشير إلى الأشياء، ولكنها في الإدراك تدل على الأشياء، غير أنهما الصورة والإدراك يعيدان صياغة العلاقات المكونة لطبيعتها بطريقة وكيفية جديدة، ولذلك تزود الصورة المتلقي بالوعي والمعرفة كما أنَّ الإدراك يزود هو الآخر المتلقي بوعي ومعرفة، ولكن الكيفية التي يتم بها تشكيل مكونات كل منهما مختلفة، وأنَّ توصيل المعرفة للمتلقي يتم من خلالهما بطرائق متباينة ولعل ت . س . إليوت مسّ هذا حين عقد مقارنة بين الشعر والفكر، وأكد » أنَّ مجال الشعر هو أولًا مجال التعبير عن المشاعر الوجدانية والانفعال، وان
(1) ـ ولا يمثل التأكيد على المكونات الحسية قصورًا في الصورة الشعرية فإنَّ الصورة حتى في حالتها الذهنية تظل محتفظة ببعض العناصر الحسية، ينظر: