فهرس الكتاب

الصفحة 183 من 256

... إنَّ الصورة المتولدة التي تخلقها مخيلة الإنسان لا تعني نقلًا حرفيًا لمظاهر الصور الحسية الخارجية، أو الجمع بينها، أو محاولة تركيب هذا الجزء بجوار الجزء الآخر، أو أنَّ تخلع جزءًا من معطى حسي وتضعه بجوار معطى آخر، إنها أكثر تشابكا وتعقيدا، لأنَّ الصورة المتولدة خلق جديد لتفاعلات الخبرة الإنسانية والتجربة الشعورية، بحيث يمكن معها القول: إنَّ الصور المتولدة تتميز بتفردها وخصوصيتها لدى الإنسان الفرد . أما في حالة التعبير عنها أدبيًا فإنَّ تخيل المتلقي للصورة الحسية لا يمكن أن يتماثل فضلا عن عدم مطابقته مع الصورة الحسية التي ولّدها ذهن الأديب، ويرجع هذا إلى التفاوت في المعطيات الحسية المختزنة، وخصوصية الخبرة والتجربة الشعورية الفردية، وإنك لن تجد صورتين متطابقتين سواء بين المبدع والمتلقي أو بين المتلقين أنفسهم، والسر في هذا يرجع لأنَّ عملية الإبداع وكذا عملية التلقي ليستا عمليتين آليتين تحكمها آليات التفكير الميكانيكي المحض، وإنما تعودان إلى تباين الصور المختزنة في الذهن، وكيفية رؤيتها أصلًا في الواقع، ومدى انعكاسها على الذهن، ومن ثم ترجع إلى اختلاف التجارب النفسية والشعورية، وهي تجارب مختلفة، ولا أدل على ذلك من كلمة » مدينة « التي بمجرد ذكرها تتولّد صورة ما في ذهن المتلقي، هي نتاج تفاعل خلاق مختزن، استدعته هذه اللفظة، وتتفاوت الصورة لدى المتلقين، فحين يقول بدر شاكر السياب:

مدينتنا تؤرقُ ليلَها نارٌ بلا لهب (1)

فإنَّ الصورة المتخيلة بضمير جمع المتكلمين » مدينتنا « في ذهن السياب محددة في مدينة ما، واقعية أو متخيلة، وإنَّ المتلقي حين يقرأ هذا السطر الشعري يتبادر إلى ذهنه مدينة ما واقعية أو متخيلة، تختلف قطعًا عن صورة المدينة في ذهن السياب، وتختلف عن المدن المتخيلة في أذهان المتلقين الآخرين .

(1) ـ بدر شاكر السياب، ديوان السياب، 1/486 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت