فهرس الكتاب
... إنَّ » الشيب « و » الاشتعال « يتفاعلان إلى درجة يخلع فيها الاشتعال بعض صفاته على الشيب، وإنَّ الشيب يخلع هو الآخر بعض صفاته على الاشتعال، وإنَّ الدلالة العميقة التي تكتنف بعدي الاشتعال والشيب واحدة، ويحتويها البعد النفسي الذي يكمن خلف الصورة، وتنقله طبيعة التركيب اللغوي إلى مخيلة المتلقي والتأثير فيه، ويسهم في تجلية هذه الدلالة سياق الآية الكريمة: » قَالَ رَبّ إِنّي وَهَنَ العظمُ مِنّي وَاشتَعَل الرَّأْسُ شَيَبَا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقَيا « (1) .
ونحاول تأمل الأبيات الشعرية الآتية:
أَبَى اللّهُ أَنْ تَبقَى لِحَيّ بَشَاشَة
فَصَبْرًا على ماشَاءَهُ اللّهُ صَبرَا
رَأيتُ غَزَالًا يَرتَعي وَسْطَ رَوضَةٍ
فَقلتُ أَرى لَيلى تَراءتْ لَنَا ظُهْرَا (2)
فيَا ظَبيُ كُلْ رَغدًا هَنيئًا ولا تَخَفْ
فإنَّك لي جَارٌ ولا تَرهب الدَّهرَا
وَعِندي لَكم حِصِنٌ حَصَينٌ وصَارِمٌ
حسامٌ اذا أَعملته أحسَنَ الهَبْرَا (3)
فما رَاعني إلا وذِئبٌ قد انتحَى
فَأَعلَقَ في أَحشائِهِ النَّابَ والظِفرا (4)
فَفَوَّقتُ سَهمي في كَتومٍ غَمزتُها
فَخَالَطَ سَهمي مُهجَةَ الذئِبِ والنَحرا (5)
وأَذهَبَ غَيظي قَتلُه وَشَفَى جَوى
بقلبي أنَّ الحُرَّ قد يُدركُ الوِترا (6)
(1) ـ سورة مريم، آية: 4 .
(2) ـ ترتعي: ترعى .
(3) ـ حصين: بيّن الحصانة، الصارم والحسام: السيف القاطع، الهبر: القطع.
(4) ـ انتحى: أخذه ناحية .
(5) ـ فوّق السهم: حركه، الكتوم: القوس .
(6) ـ الأصفهاني، الأغاني، 2 / 8، الجوى: الحرقة، الوتر: الثأر .