فهرس الكتاب
... إذ يصف ثغر حبيبته الراحلة بالعذوبة، ورائحة المسك تفوح منه، وكأنه يشبه روضة من الرياض، ومن الملاحظ أنَّ الصورة تستقي خصائصها من مصادر حسية مختلفة ذوقية في عذوبة التقبيل، وشمية في رائحة المسك، وبصرية في مشاهدة الروضة، فضلًا عن بياض الأسنان .
... ويعمد الشاعر في بعض الصور التراكمية إلى صورة وثابة يجسم فيها الشاعر مشهدا يمور بالحياة والحركة، كما فعل ذلك زهير بن أبي سلمى حين وصف دار حبيبته:
بِهَا العَيْنُ والأرآمُ يَمشِينَ خِلفَةً
وأَطلاؤُها يَنهضْنَ من كُلِّ مَجْثَمِ (1)
فطلل الحبيبة معشب وفيه العين وهي نوع من الغزلان، وسميت بالعين لسعة أعينها، وفيها آرام وهي جمع رئم وهو الظبي الخالص البياض، ويمشين خلفة، أي يخلف بعضها بعضا أي إذا جاء قطيع جاء بعده آخر، حركة تتابع فيها هذه القطعان، ومما زاد المشهد حركة وثابة في أنَّ أطلاء الظباء والعين تثب من أماكن جثومها المتعددة .
ومن الأمثلة الواضحة لتراكم الصور ما نجده في مقدمة الأعشى الغزلية المعروفة:
وَدّعْ هُرَيْرَةَ إنَّ الرَّكبَ مُرتَحلُ
وهَلْ تُطيقُ وداعًا أَيُّها الرَجُلُ
غَرَّاءُ فَرعَاءُ مَصقُولٌ عَوَارِضُها
تِمشِي الهُوينَا كَمَا يَمشِي الوَجي الوَحِلُ (2)
كأَنَّ مِشْيَتَها من بَيتِ جَارَتِها
مَرُّالسحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ
تَسْمَعُ للحَلي وَسْوَاسًا إذا انصَرَفَتْ
كَمَا استعَانَ بِريحٍ عِشرِقٌ زَجِلُ (3)
ليستْ كَمَنْ يَكرَهُ الجِيرانُ طَلعَتَها
ولا تَراها لسِرِّ الجارِ تَختَتِلُ
يَكادُ يَصرَعُهَا لولا تَشدّدُها
إذا تَقُومُ إلى جاراتِها الكَسَلُ
(1) ـ العين: البقر الوحشي، الأرآم: جمع رئم وهو الظبي الأبيض خالص البياض، الأطلاء: ولد الظبية والبقرة الوحشية الجثوم: البروك .
(2) ـ الغراء: البيضاء، الفرعاء: الطويلة الشعر، العوارض: الأسنان، الوجي: الحافي .
(3) ـ الوسواس: الصوت، العشرق: شجرة إذا اهتزت أغصانها أحدثت صوتا .