فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 256

... إنَّ ما أميل له وتطمئن إليه نفسي أنَّ هناك أشكالًا تعبيرية ذات طابع إيقاعي هي التي تطورت بمرور الزمن، فتولدت عنها الأوزان العربية . ولعل هذه الأشكال التعبيرية كانت تختلط بأشكال أولية إيقاعية للأوزان العربية، ولعل أوزانًا شعرية عديدة قد ضاعت لم تصل إلينا، لكننا لا نستطيع الجزم، وحتى إمكان الفرض المؤكد بأن الشعر قد تطور وفق سلسلة معينة على أساس تطور منطقي: من السجع، فالسجع الموزون فالرجز، فالأوزان الشعرية الأخرى . ولا نستطيع التأكيد أنَّ الشعر الجاهلي القديم كان محافظًا على الوزن والقافية » إذ من الجائز أن يكون على شاكلة الشعر القديم الذي نظمه الشعراء الساميون، من عدم تقيد بالقافية وبوزن الأبيات، كما نجد ذلك في العبرانية وفي اللغات السامية الأخرى، وإنما كانوا يراعون فيه النغم بحيث يتغنى به، أو بتأثير العواطف، بمراعاة نسق الكلام المبني على البلاغة، ولهذا عد السجع نوعًا من أنواع الشعر، لأنَّ في السجع من الوصف والعاطفة والحس ومعالجة الموضوع ما يجعله شعرًا، وفي بعضه نغم يجعله صالحًا لأن يتغنى « (1) . ولعل الاستشهاد بخطبة قس بن ساعدة يدل على اختلاط الأشكال الإيقاعية المختلفة، سواء أكانت سجعا، أم سجعا موزونا، أم وزنا شعريا، في خطبة واحدة، يقول:

أيها الناس

اسمعوا وعوا

انظروا واذكروا

من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت

ليل داج، ونهار ساج، وسماء ذات أبراج

الا ان أبلغ العظات، السير في الفلوات، والنظر إلى محل الأموات

إن في السماء لخبرا، وأن في الأرض لعبرا

مالي أرى الناس يذهبون، فلا يرجعون

أرضوا هناك بالمقام فأقاموا أم تركوا هناك فناموا

يا معشر إياد !

أين الآباء والأجداد، وأين المريض والعواد، وأين الفراعنة الشداد ؟

اين من طغى وبغى، وجمع فأوعى، وقال أنا ربكم الأعلى

الم يكونوا أكثر منكم أموالا، وأطول منكم آجالا

(1) ـ جواد علي ،المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، 9/124 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت