فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 256

في الذاهبين في القرون لنا بصائر

لما رأيت مواردا للموت ليس لها مصادر

ورأيت قومي نحوها تمضي الأصاغر والأكابر

لا يرجع الماضي إلي ولا من الباقين غابر

أيقنت أني لا محالة حيث صار القوم صائر

أقول لعل هذا يدفع إلى ترجيح التصور الذي أميل إليه، وقد فطن إلى هذا التصور مصطفى عبد الشافي الشورى حيث يقول إنَّ هذه الخطبة تبدأ » بالسجع المتوازن، ثم تتسع الفواصل في بعضها وتتقارب شيئا فشيئا في ترتيب وقع النغمات حتى تصبح الجمل مقاطع متعادلة الطول، متوافقة في موقع النبرات، فتتحول إلى أشطر عروضية

تامة وتتحول مواقع السجع إلى قواف سوية، فينتهي الإنشاد بالشعر الموزون كما

نفهمه الآن « (1) .

... إذن يمكننا القول أخيرا إنَّ الشعر قد بدأ » بداية متحررة فلم يكن الإنسان في بادئ أمره بالشعر يتقيد بالوزن والقافية، وإنما كان يميز بينه وبين النثر بالنغم الذي يجعله فيه وبالنبرات التي يخرجها مخارج الغناء، ولهذا تجد المقطوعات الشعرية القديمة التي وصلت إلينا مدونة في كتابات مختلف الشعوب لا تشبه الشعر المعروف، إذ فيه تحرر، وفيه اعتماد على الترنم والإنشاد وعلى فن الإلقاء، أما الاعتبارات الفنية المعروفة، فهي من عمل الشعراء المتأخرين الذين أحلوا الوزن محل الإلقاء، ووضعوا قواعد معينة في نظم الشعر . فلم تكن الأبيات الشعرية في الشعر القديم متساوية، ولم تكن هناك قواف بالضرورة، حتى انك لا تستطيع تمييز القطعة الشعرية عن غيرها إلا بالإنشاد « (2) .

الفصل الثاني

العبث

(1) ـ مصطفى عبد الباقي الشورى، شعر الرثاء في العصر الجاهلي، ص76 ...

(2) ـ جواد علي، المفصل في تارخ العرب قبل الإسلام، 1/125ـ126.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت