فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 256

... وفي ضوء هذا فإن اللذائذ بغية امرئ القيس، فأخذ يعبُّ منها متتبعًا مظانها ومتقلبًا في جنباتها، فنراه لاهيًا ماجنًا تتعدد حبيباته، ويلهث وراء المتعة سواء أجاءت من قريبة له أم من بعيدة، ولا يردعه رادع، إنَّ امرأ القيس منح نفسه « حرية » تجاوزت المألوف، وكسرت المعتاد .إنَّ عبث امرئ القيس لا يصدر عن موقف تأملي عميق للحياة والوجود، أي أنه ليست هناك قضية وجودية أو فكرية ملحة أملت عليه هذه النزعة العابثة، غاية ما في الأمر أنه أعطي ذاته المتضخمة زمام الأمر فتحركت به نحو ما هي راغبة فيه، إنَّ امرأ القيس في علاقته بالمرأة لا يشغله الحب وإنما هي « مسألة لذة وامتلاك لما يحقق هذه اللذة . المرأة هنا وسيلة وهي إذن شيء يمتلك، أي أنها شيء يستهلك ...إن امرأ القيس لا يبحث عن امرأة يحبها وإنما يبحث عن السيطرة والامتلاك » (1) ، وإذا صحَّ ما نقله عنه الرواة بشأن وصية أبيه الذي أوصى أن يعطى حامل وصيته دروعه وأسلحته لمن لا يجزع من أبنائه، فجزع أبناؤه جميعا « حتى أتى امرأ القيس فوجده مع نديم له يشرب الخمر ويلاعبه النرد، فقال له:قُتل حجر، فلم يلتفت إليه، وأمسك نديمه، فقال له امرؤ القيس:اضرب فضرب حتى إذا فرغ قال: ما كنت لأفسد عليك دستك، ثم سأل الرسول عن أمر أبيه كله فأخبره، فقال الخمر والنساء حرام حتى أقتل مائة من بني أسد وأجز نواصي مائة » ، مما يدل على أنه كف عن حالة العبث التي عاشها بعد أنْ علم بمقتل أبيه، وأنَّ حالة العبث على الرغم من أصالتها فيه لم تكن مؤسسة على تصور تأملي عميق.

... أما الأعشى فلم يكن العبث عنده قائمًا على رؤيةٍ مسبقة أو معضلة وجودية يعاني منها، ولكنه أرسل نفسه على سجيتها نحو متع الحياة، وهي تنحصر لديه في إطاري الخمرة والمرأة، وهما يمثلان لديه وجوده وحياته .

(1) ـ ... أدونيس، كلام البدايات، ص 47 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت