فهرس الكتاب
... ولم يكتف الشاعر امرؤ القيس بحكايته مع « عنيزة » بل تجاوزها إلى حكاية أخرى مع فاطمة التي تبدو متأبية على الشاعر بتدللها وتمنعها، ولكنها في الحقيقة لا تقل عشقًا للشاعر من عنيزة، كما أنَّ امرأ القيس يتجاوز عنيزة وفاطمة إلى « بيضة خدر » وهي حكاية ثالثة يحاول فيها كسر الحاضر، وكأنَّ حكاية واحدة لا تكفي لإرواء ظمأه من حالة الانفصام التي يعيشها الشاعر في الزمن الحاضر، يقول:
أفاطمَ مهلًا بعضَ هذا التَدللِ
وإنْ كنتِ قد أزمعتِ صَرمي فأجملي (1)
وإنْ كنتِ قد ساءتكِ مني خَليقةٌ
فسُلّي ثيابي من ثيابكِ تَنسُلِ (2)
أغرَّكِ منّي أنَّ حبَّكِ قَاتلي
وأنك مهما تأمري القلبَ يَفعلِ
وما ذَرفتْ عيناكِ إلا لتقدحي
بسهميكِ في أعشارِ قلبٍ مُقَتّلِ (3)
وبيضةِ خِدرٍ لايُرامُ خِباؤها
تَمَتعتُ من لهوٍ بها غيرَ مُعجَلِ (4)
تَجاوزتُ أحراسًا وأهوالَ معشرٍ
عليَّ حِراصًا لو يشرون مَقتلي (5)
إذا ما الثُريا في السَّماءِ تَعرضتْ
تعرضَ أثناءِ الوشاحِ المفصلِ (6)
فجئتُ وقد نَضَّتْ لنومٍ ثيابَها
لدى السترِ إلا لِبسةَ المُتفضلِ (7)
فقالتْ: يمينَ اللّه مالكَ حيلةٌ
وما إنْ أرى عنك العمايةَ تَنجلي (8)
خرجتُ بها تمشي تجر وراءنا
على أثرينا ذيلَ مِرطٍ مُرحَّلِ (9)
فلما أجزنا ساحةَ الحيّ وانتحى
بنا بَطنَ حقف ذي ركام عقنقلِ (10)
إذا التفتتْ نحوي تَضوّعَ ريحُها
(1) ـ مهلا: رفقا، أزمعت الأمر: وطنت نفسي عليه .
(2) ـ الخليقة: السجية، سلي ثيابك: فارقيني .
(3) ـ أراد بالأعشار: أجزاء قلبه، المقتل: المذلل كل التذليل .
(4) ـ بيضة خدر: المرأة المخدرة .
(5) ـ المعشر: القوم، يشرون: يظهرون .
(6) ـ التعرض: الاستقبال، الأثناء: النواحي .
(7) ـ نضت: نزعت، المتفضل، الذي يلبس ثوبا واحدا حين يأوي إلى فراشه .
(8) ـ اليمين: الحلف، الغواية: الضلالة .
(9) ـ المرط: كساء بنقوش تشبه رحال الابل .
(10) ـ الحقف: رمل مشرف معوج، العقنقل: الرمل المنعقد المتلبد .