فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 256

... إن إحساس الشاعر بالمكان ليس منفصلًا عن إحساسه بالزمان، صحيح أن المفردات الدالة على الزمان في المعلقة أقل من المفردات الدالة على المكان بمقدار النصف تقريبا، غير أنَّ هذا لا يقلل من أهمية الزمن في المعلقة، لأن الزمن يكتنفها بمقاطعها المتعددة كما أنَّ الإكثار من المفردات الدالة على المكان له ما يبرره عند شاعر بدوي تحيط به الصحراء من كل جانب، فضلًا عن أنَّ الإحساس بالمكان أقرب وأكثر لصوقا بالإنسان إذا ما قسنا ذلك بإحساس الإنسان بالزمن الذي يأتي لاحقا .

... وكانت « الحكاية » أداة الشاعر في كسر الحاضر، وإعادة صنع الزمن من جديد ويتجلى هذا بوضوح من خلال التأكيد على الزمن الماضي بذكر مفرداته مثل كلمة « يوم » الدالة على الماضي، وقد تكررت في الحكاية الأولى خمس مرات، يقول امرؤ القيس:

أَلا رُبَّ يومٍ لكَ منهنَّ صالحٍ

ولاسيَّما يومٍ بدارةِ جُلجُلِ

ويومَ عَقرتُ لِلعَذَارى مَطَيتَي

فَيَا عَجَبًا من رَحْلِها المُتَحمَّلِ (1)

يَظلُ العَذَارى يَرتمين بِلحمِها

وشحمٍ كهُدَّابِ الدِّمقسِ المُفتَّلِ (2)

ويومَ دخلتُ الخِدرَ خِدرَ عُنيزةٍ

فقالتْ لكَ الويلاتُ إنكَ مُرجلي (3)

تقولُ وقد مالَ الغَبيطُ بنا معًا

عَقرتَ بعيري يا امرأَ القيسِ فانزلِ (4)

فقلتُ لها سيري وأَرخي زِمامَهُ

ولا تُبعديني من جَناكِ المُعلَّلِ (5)

ويومًا على ظهرِ الكثيبِ تَعذَّرتْ

عَليَّ وآلتْ حَلفةً لم تَحلَّلِ (6)

(1) ـ العذراء: البكر، المتحمل: الحمل .

(2) ـ الهداب: ما استرسل من الشيء، الدمقس: الابريسم .

(3) ـ الخدر: الهودج، الويل: شدة العذاب، مرجلي: أي تجعلها راجلة.

(4) ـ الغبيط: ضرب من الرحال، عقرت بعيري: أدبرت ظهره .

(5) ـ المعلل: المكرر مرة بعد أخرى .

(6) ـ امرؤ القيس، ديوان امرىء القيس، ص 10 ـ 12 . الكثيب: رمل كثير، التعذر: التشدد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت