فهرس الكتاب
... ويكشف الطلل عن زمانين:حاضر وماض، ولكل منهما دلالته النفسية، ففي الزمان الحاضر يتجلى الطلل بخلوه من كل شئ سوى آثار بقايا الظباء، فهو مجدب مقفر لا حياة فيه، ويوحي بموعد الرحلة إلى الموت، وكأَنَّ موت الطلل موت للإنسان، إنَّ أثر الموت في الطلل دفع الشاعر إلى البكاء، وموت الطلل الحاضر يقابله إحساس الشاعر بالأسى، ومن أجل أنْ يتجاوز الشاعر ذلك يعمد إلى التشبث بالبقاء وكسر حالة الجدب ولا يتم تجاوز الحاضر بقساوته المتجلية في الطلل المجدب والحالة النفسية البائسة إلا من خلال استعادة الذكريات، أي أنها عودة للماضي في إطار المكان نفسه، فهي شكل من أشكال المقارنة بين الماضي والحاضر، حاضرٌ لا تواصل فيه، وماضٍ تم فيه التواصل .
... إن الشاعر بفعله هذا يعمد إلى استيحاء الزمن ومحاولة صنعه من جديد، ولكنه يصنعه هذه المرة بالحكاية، وكأَنَّ الحكاية وسيلة لتجسيد الماضي، أي تأكيد التواصل ومحاولة الخروج من أزمة الانفصام والأسى، وتحقيق شكل من أشكال التفريج عن الانفعال، كما أنه يمثل لونًا من التعزية في حاضر قاس مجدب .
... إن حديث الشاعر عن الطلل يشتمل على بعدين:أحدهما: يدل على رغبة الشاعر الجامحة للحياة، تفاعلًا مع معطياتها، وتواصلًا مع الآخرين، وثانيهما: يدل على هروب الشاعر من وطأة الزمن على الأشياء، لأنَّ الشاعر يعيش حالة من الخوف والفزع من الهرم وما يعتريه من عوامل الضعف والانقراض، لأنَّ الزمن يحول كل شئ من حال إلى حال، وهذه الصيرورة هي التي دفعت الشاعر ـ كما أشرت ـ إلى إعادة الماضي ومحاولة خلقه من جديد من خلال الحكاية.