فهرس الكتاب
... إنَّ معلقة امرئ القيس قد بدأت بالوقوف على الطلل لأنه يثير الشاعر، ويدل على الزمن الحاضر بما يشتمل عليه من انفصام وجدب، ويبعث على كسر الحاضر بالعودة إلى الماضي، ومحاولته صنعه من جديد بالحكاية، وكأنَّ الطلل موجة سالبة في القصيدة يتبعها رد فعل إيجابي يتجلى في ثلاث حكايات، تحاول كسر هذه الموجة السالبة ثم يعود الشاعر بعد ذلك واقفا أمام موجة سالبة أخرى، تتبدى في الليل، وهو مثير آخر للأحزان، مثير كائن في الزمن الحاضر، وإذا كان الطلل يمثل مكانًا يواجه الشاعر ويعمد الشاعر إلى محاصرته وكسره بصنع الحكاية وإعادة خلقها، فإن الليل يمثل زمانًا يحاصر الشاعر من جوانب متعددة، يقول امرؤ القيس:
وَليلٍ كَموجِ البحرِ أَرخَى سدولَهُ
عليَّ بأَنواعِ الهمومِ لِيَبتلي (1)
فقلتُ له لمَّا تَمَطَّى بصُلبِهِ
وَأَردفَ أَعجازًا وناءَ بكَلكَلِ (2)
أَلا أَيُها الليلُ الطويلُ أَلا انجلي
بِصُبحٍ وما الإصباحُ منكَ بأَمثلِ (3)
فيا لكَ من ليلٍ كأَنَّ نجومَهُ
... ... بأَمراسِ كتّانِ إلى صُمِّ جَندلِ (4)
لقد مر وصف الليل عند امرئ القيس بخمس حالات:
أولها:الرهبة والخوف:
(1) ـ السدول: الستور، الهموم: جمع هم، الحزن .
(2) ـ تمطى: تمدد، الإرداف: الاتباع، الأعجاز: المآخير، الكلكل: الصدر .
(3) ـ الانجلاء: الانكشاف، الأمثل: الأفضل .
(4) ـ ... الأمراس: جمع مرس، الحبل، الاصم: الصلب، الجندل: الصخرة