فهرس الكتاب
... وتتجلى في تشبيهه الليل بموج البحر، والتشبيه ـ هنا ـ يعني عقد مقارنة بين الليل من ناحية وتكرار حركة الموج من ناحية ثانية، وهذا يعني أنَّ الليل يبقى له استقلاله النسبي بعيدًا عن أمواج البحر، لأن العلاقة التشبيهية تقتضي ذلك، غير أنَّ دلالة التكرار في حركة الأمواج تعني ـ في ضوء تبادل المعاني داخل النص ـ تكرار حركة الليل، بحيث تنتقل حركة الأمواج من البحر إلى الليل، الذي يمثل هو الآخر أمواجًا تحيط بالشاعر موجة وراءها موجة، وتتجلى أبعاد الرهبة والخوف لأنَّ « البحر يمثل ذلك المحيط الذي لاينتهي، ولاينجو الذي يلج إلى قلبه، كما أنَّ البحر هو محيط من الماء، كذلك الليل هو محيط من الظلام » (1) .
ثانيها: الإحاطة والشمول:
... وينتقل الشاعر من مرحلة الرهبة والخوف ـ التي يواجه فيها الشاعر أمواج الليل التي تتلاحق متدفقة ـ إلى إحاطة الليل به واشتماله عليه، تمامًا كالخيمة، وهذا يعني أنَّ الليل أصبح يحيط بالشاعر من كل جانب، بحيث أرخى سدوله عليه، وقد تمثل الليل وكأنه خيمة كبيرة تغمر الكون كله، ولم يكن الظلام سوى هذه السدول، إنَّ الشاعر «يوحّد بين الهموم في الداخل والسدول المظلمة في الخارج، فهو لم يقل إنَّ الليل أرخى سدول الظلام، بل سدول الهموم . والواقع انَّ تشبيه الظلام بالسدول يدل على التوحد بين طرفي الصورة في شعر امرئ القيس، إلا انه بقي، بالرغم من ظاهرته النادرة يتناول العالم المادي، أما توحيد السدول والهموم فيدل على نزعة تجريدية أشد وأقوى، وتوغل أعمق في ذهول النفس، ذلك انَّ الشاعر يبصر همومه بعينيه بقدر ما يعانيها بنفسه » (2) .
ثالثها:السحق والتدمير:
(1) ـ إيليا الحاوي، فن الوصف وتطوره في الشعر العربي، ص 60 .
(2) ـ إيليا الحاوي، فن الوصف وتطوره في الشعر العربي، ص 59 .