فهرس الكتاب
« ففي البدء كان الشاعر يتململ، أما الأن فأنه انهار وأسرف في التشاؤم، حتى جعل يتوهم أن صباح الضوء ليس بأيسر من ليل الظلام » (1) ، إنَّ الحالة الشعورية لامرئ القيس في موقفه إزاء الليل تأخذ بالتأزم التدريجي، أي أنَّ وصف وطأة الليل عليه يبدأ متدرجًا من البساطة إلى التعقيد، ولذلك لاحظنا أنَّ تجربة الليل بدأت بالرهبة والخوف، وكان الشاعر مواجهًا الليل، وانَّ أمواجه كانت تتلاحق عليه، ثم تنتقل تجربته مع الليل إلى إحاطة وشمول، بحيث تشتد قسوة الليل عليه، لتصل أقصى درجاتها عندما أناخ عليه الجمل، وسحقه تحت كلكله سحقًا، وتتابع أبعاد التجربة مرورًا بالصراخ واليأس ومن ثم الاستسلام .
... إن صورة الليل تقترب إلى حد كبير من صورة الطلل من حيث معاناة الشاعر إزاءها، تجربة يعيشها الشاعر بمفرده، ولذلك يختلف هذان المشهدان ـ أعني مشهد وصف الطلل ووصف الليل بوصفهما يعبران عن الحاضر والانفصام ـ عن مشهد التواصل في الزمن الماضي مع حكايات امرئ القيس الغرامية الفاضحة التي تتميز بقدر أكبر من الحركة والحياة والحيوية، ويعيش بها الشاعر تواصلًا مع الآخر وتفاعلًا واياه .
ولاتقتصر تجربة امرئ القيس في الحاضر الدال على الانفصام على الطلل المجدب المقفر، أو على الليل الذي يسحق الشاعر ويخني عليه بكلكله، بل يتجاوز ذلك إلى رحلة في واد مقفر يشبه جوف الحمار الوحشي، وتتجسد في هذا الوادي غربة امرئ القيس ووحدته، كما ان وحدة الشاعر واغترابه تتماثل إلى حد كبير مع حالة ذئب يعوي ويبحث عن قوته وطعامه، يقول امرؤ القيس:
وَوَادٍ كَجَوْفِ العَيرِ قَفْرٍ قَطَعْتُهُ
بِهِ الذئبُ يَعْوي كالخليع المُعيَّلِ (2)
فَقُلْتُ لَهُ لَمَّا عَوَي: إنَّ شَأَننا
قَليلُ الغِنى إنْ كُنتَ لمَّا تَمَّولِ
كِلانَا إذا مَا نَالَ شَيئًا أَفاتَهُ
(1) ـ نفسه، ص 72 .
(2) ـ الجوف: باطن الشيء، العير: الحمار، الخليع: الذي خلعه أهله، المعيل: الكثير العيال .