فهرس الكتاب
وَمَنْ يَحترِثْ حَرثي وحرثَكَ يهزِلِ (1)
ومن الملاحظ أنَّ امرأ القيس يضفي على الذئب صفات إنسانية لتعبر عن تماثل حالتيهما، وكون الذئب ذا عيال يطالبونه بالقوت والطعام . ومن خلال تبادل المعاني داخل النص يمكننا القول: إنَّ الشاعر والذئب يتماثلان في خصائص مشتركة، فكل منهما منفرد وحده في واد مقفر، وهما ـ هنا ـ يفتقران إلى التواصل مع الآخر، كما انَّ كليهما قد خلع من جماعته، وإذا كان الذئب يعوي فإنَّ الشاعر يماثله بصراخ يشكو فيه من غربته في هذه الحياة .
إنَّ عزل الشاعر من قبيلته خلعا أو بإرادته إنما هو لون من ألوان الانفصام الاجتماعي ومن هنا كان حاضر امرئ القيس سيئًا بائسًا، إذ يقطع منفردًا واديًا مقفرًا ولايلتقي فيه إلا بذئب يخلع عليه الشاعرصفاته الخاصة، ولم يكن يماثل الذئب بعزلته الاجتماعية واغترابه ووحدته فحسب، بل انَّ كلًا منهما قليلة أمواله، وانَّ كلًا منهما قد أتلف ما لديه من أموال، لأنَّ من يسلك طريق الشاعر أو طريق الذئب لابد أن يكون هزيل الجسم قليل الزاد، وتتجلى حالة التوحد بين الذئب والشاعر من حالة التماثل بالصورة، وتتجلى بالتعبير « إنَّ شأننا » و «كلانا » في قوله:
فَقُلْتُ لَهُ لَمَّا عَوَي: إنَّ شَأَننا
قَليلُ الغِنى إنْ كُنتَ لمَّا تَمَّولِ
كِلانَا إذا مَا نضالَ شَيئًا أَفاتَهُ
وَمَنْ يَحترِثْ حَرثي وحرثَكَ يهزِلِ
(1) ـ الزوزني، شرح المعلقات السبع، ص 41 ـ 42 .