وبعدهم بأقضاهم عليّ
أبي الحسن المحَقِّقِ للأصولِ
فالشاعر سكب المُثُل العليا كلها، وذلك من النواحي الدينية والشخصية والإدارية، فكل ممدوح منهم إنما هو: مصلح الفاسد، ومنصف المظلوم، ومذلِّل الصعاب، ومدبّر الأمور بحنكته السياسية الفذّة، وهذه حقيقة لا غبارَ عليها. وإذا تأملنا الأوصاف التي سكبها الشعراء في ممدوحيهم رأينا أنّهم لم يتركوا معنى قاله القدماء إلا لاكُوه، وأعادوه، وجودوا فيه، فيسبغ الشاعر على ممدوحه ألوانًا من الأوصاف الجليلة، كقول الإمام شهاب الدين أبي العباس الحويزي في مدح العزيز (1) :
الصبّ مغلوب على آرائه
فهبُوه معشر عاذليه لِدائه
ومتى يُرَجّى اللائمون سُلُوَّه
باللوم، وهو يزيدُ في إغرائه
والعدل كالنَّفَس الضعيف بعثته
يُطفي الضّرام فجدّ في إذكائه
ما كنت أبخلُ بالفؤاد على اللَّظى
لولا حبيبٌ حلَّ في سودائه
كالنور يهدي الطرف مقتصد السنا
ومتى يزد ينهض إلى إعشائه
فَعلتْ نوائبُه بِحرِّ تجلدي
فِعلَ العزيز لدى النَّدى بثرائه
فانصاعَ يمرحُ في غِناهً نوالهُ
حتى ظننا المال من أعدائه
وينبغي الإشارة إلى أن الصفات المُسبغة على الممدوح ليست كلها تبلغ مرتبة
ــــــــــــــــ
(1) الخريدة فارس3/ 37.