الصفحة 32 من 37

إن هذه اللغة التي لم يجد فيها سلامة موسى ما يعبر به عن أثاث غرفته كانت لغة الحضارة والعلم لبضعة قرون ، ودُوِّنت بها علوم الفلسفة والتاريخ والفلك والرياضيات والأديان والأدب والشعر والوجدانيات ، ولم يجد أهلها حرجًا في التعبير عن كل ما يريدون ، بل كانت لغة طيِّعة مرنة تستجيب لكل متطلبات الحياة وأغراض البشر ، وإذا كان سلامة موسى يعاني من نقص في قاموسه اللغوي ، ويعجز عن تذكر أسماء الأثاث في غرفته ، فليس من حقه أن يُحمِّل اللغة مسؤولية عجزه وجهله ، لأنه لا توجد لغة في العالم كله عاجزة عن نقل الحضارة ، لأن اللغة تزدهر إذا كانت الأمة مزدهرة ، وتتكلس وتتقلص إذا جمدت الأمة وتخلفت ، واللغة العربية قادرة - كما فعلت بالأمس - على التجاوب مع الحضارة بمختلف فروعها وأشكالها إذا أراد لها أهلها ذلك ، لأن اللغة تحتاج إلى حوار ومحاورة ، ومساءلة ومجادلة ، ومخاطبة ، وبقدر ما نتجادل معها نجدها سخية ، وبقدر ما نحاول أن نكلمها نجدها مرنة ثرية ، وليس تراجع اللغة العربية اليوم إلا لتخلف أهلها ، وقلة تعاملهم معها ، واتجاههم إلى العاميات أو اللغات الأجنبية فليس لأن لغتنا تخلفت تخلفنا ، ولكن لأننا تخلفنا تخلفت لغتنا ، إن اللغة ليست عامل تخلف ، بل مظهر وتعبير عنه (1) ، ولو أننا سمينا أجزاء السيارة والطائرة والتلفاز والحاسوب على نحو ما سمى القدامى أعضاء البعير وأقسام السفينة وأجزاء المحراث ، لما بقيت قطع غيار مستخدمات التكنولوجيا بلا تسمية في العربية الحديثة ، ولما وجدنا فقرًا في التعبير عن الأدوات والاختراعات المتلاحقة ((2) يتبرم منه سلامة موسى وغيره .

(1) انظر: جورج طرابيشي"إشكاليات العقل العربي"ص 140 ، 149 دار الساقي - بيروت - الطبعة الأولى 1998.

(2) انظر: جورج طرابيشي"إشكاليات العقل العربي ص 151 ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت