الصفحة 36 من 37

ربما نجد عذرًا لأناس بهرتهم الحضارة المادية ووسائل القوة والتكنولوجيا في بداية هذا القرن لأن النور كان قويًا في وسط ظلام التخلف والجهل الذي تعيشه الأمة الإسلامية، ولكن لم يمض وقت طويل حتى ذهب الانبهار، وتلاشى الزبد وظهرت الحقائق جاثمة على صدر التاريخ، وارتد كيد العدو في نحره، فخرج المستعمر مدحورًا من أغلب البلاد الإسلامية، وتكشفت حقائق الدراسات الاستشراقية وما تخفيه من تزوير وتشويه ، واتضح أنها كانت دراسات استطلاعية استعمارية بالدرجة الأولى، ولم يكن التجمل بأثواب البحث العلمي في الغالب إلا لونًا من المداهنة والمراوغة .

ومهما يكن من أمر فإن سلامة موسى وأمثاله من ربائب الغرب كان من الطبيعي في وسط هذا الاختلال الحضاري للأمة أن ينشأ لهم جيل من المروجين والمسوقين لأن الغرب لا يزال يمسك زمام القوة، وفي كل زمان يوجد منافقون يتزلفون للقوي ويتملقونه لكي تُتاح لهم فرصة التعيُّش على الفتات ، وهم اليوم - وللأسف - في عصر الثورة الإعلامية قد تبوؤوا مراكز مهمة جدًا وأوصلوا - أو كادوا- رسالة سلامة موسى إلى أوساط مختلفة من الناس، بل إن الرسالة"السلاموسية"أصبحت مثالًا يُحتذى من قبل التنويريين المعاصرين .

ما الذي يمكننا فعله إزاء هذا الخلل الحضاري والفكري ؟ فالنموذج الذي يستحق لعنة التاريخ، وصفعة الأجيال ، أمسى مثالًا للحرية والتقدم والنضال ، وليس ذلك غريبًا فنحن في عصر العجائب !! .

ولكن الأدهى من ذلك أن تختل القيم والمعايير الحضارية في هذا العصر فيصبح الاعتزاز بالتراث والتشبث به تخلفًا ورجعية ، بينما التسول على موائد الغرب تقدمًا وتحضرًا !

حين نعتمد نحن على علمائنا السالفين في البحث عن نافذة إصلاح وتجديد نعد تقليديين أو ماضويين، بينما حين يقلدون هم علماء الغرب ورواده يعدون أنفسهم تنويريين ومبدعين !

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت