الصفحة 35 من 37

إن الشمولية الإسلامية لا تعني أن يرفض المسلمون الحضارة الغربية مطلقًا دون أن يعترفوا بحسناتها ولكن المسلمين""إذا تبنوا - كما هو من واجبهم - الطرق والوسائل الحديثة في العلوم والفنون الصناعية فإنهم لا يفعلون أكثر من اتباع غريزة التطور والارتقاء ، التي تجعل الناس يفيدون من خبرات بعضهم ، ولكنهم إذا تبنوا - وهم في غير حاجة إلى أن يفعلوا ذلك - أشكال الحياة الغربية والآداب والعادات والمفاهيم الاجتماعية الغربية ، فإنهم لن يفيدوا من ذلك شيئًا ، ذلك أن ما يستطيع أن يقدمه الغرب لهم في هذا المضمار لن يكون أفضل وأسمى مما قدمته لهم ثقافتهم نفسها ، ومما يدلهم عليه دينهم نفسه ، ولو أن المسلمين احتفظوا برباطة جأشهم ، وارتضوا الرقي وسيلة لا غاية في ذاتها ، إذن لما استطاعوا أن يحتفظوا بحريتهم الباطنية فحسب ، بل ربما استطاعوا أن يعطوا إنسان الغرب سر طلاوة الحياة الضائع"" ((1) .

ذلك هو موقف العبقري العصامي الذي يعامل الحضارة الغربية بعلومها ، ونظرياتها واكتشافاتها وطاقاتها كمواد خام يصوغ منها حضارة قوية مؤسسة على الإيمان والأخلاق والتقوى والرحمة والعدل في جانب ، والعلم والقوة والعمل والإنتاج والرفاهبة والابتكار في جانب آخر (2) . وبذلك نستغني عن النموذج العلماني الذي صدره إلينا الاستعمار عن طريق صنائعه وربائبه ، وسبب لنا اضطرابًا في حياتنا وأفكارنا ومعيشتنا وقيمنا وأخلاقنا ، بسبب تصادمه مع أصالتنا ومرجعيتنا ، ومقومات وجودنا .

الخاتمة:

(1) محمد أسد"الطريق إلى مكة"ص 374 ، 376 .

(2) انظر: أبو الحسن الندوي"الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية"ص 32 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت