فهرس الكتاب
ولكن لأن الذي أصاب أمتنا من جراء التغريب والتأورب هو عملية مسخ وتشويه وليس إنكارًا وتجاهلًا ، والمسخ والتشويه أنكى من الإلغاء والتجاهل ، فمصيبتنا لذلك أشد من مصيبة الأفارقة ، لأن الأفارقة أقنعهم الغرب بأنه ليس لهم تاريخ ولا حضارة ، وهؤلاء يكفيهم أن يعودوا إلى ذاتهم فيكتشفوها ، أما نحن فلم يقل لنا الغرب ذلك ، لقد جاملنا الغرب وضحك علينا وخدرنا وأقنعنا بأننا أصحاب حضارة ، ولكنها حضارة ممسوخة مشوهة مظلمة ، ولذلك فلا يكفينا أن نعود إلى ذاتنا لأنها أصبحت مزيفة ومزورة ، وإثبات التزوير والتزييف مهمة أصعب من إثبات الذات والوجود (1) .
ولذلك فالعودة إلى الذات القائمة الآن لن يجدينا شيئًا لأنها مطموسة ، قد مُثِّل بها أسوأ تمثيل ، العودة يجب أن تكون إلى الذات الإسلامية الأصيلة"الرسالية"لأنها الوحيدة القريبة من بين كل الذوات (2) ، ولأنها الوحيدة التي تجمع شتات القلوب ، وترضاها الجماهير ، وتعبر عن كيان الأمة وشخصيتها وتطلعاتها وطموحاتها ، لن تقبل الأمة اليوم أن يُعبّر عنها فرعون ، ولا آشور ولا بابل ولا تدمر ولا كنعان ، لا تقبل الأمة اليوم بالإسلام بديلًا .
إن الشمولية الإسلامية هي السد الوحيد الذي يقف في وجه التغريب والاستعمار المسيحي الأوربي ، هذه الشمولية التي تحيط بكل كيان الإنسان جسمًا وروحًا وعقلًا ، وتلبي كل طموحاته ، وتجيب على كل تساؤلاته هذه الشمولية الجامعة هي الهوية والشخصية والكيان والذات ، والماضي والمستقبل والحاضر، وهي ما تفقده إفريقيا ، ولذلك كانت مادة خام للاستعمار الأوربي تقبلت كثيرًا من نصرانيته ، واندمجت في حضارته ، لأنها لم تكن مشمولة برؤية دينية كلية على نحو ما يفعل الإسلام بأتباعه (3) .
(1) انظر: شريعتي"العودة إلى الذات"ص 44 ، 47 .
(2) انظر:"السابق"ص 52 .
(3) انظر: جلال آل أحمد"الابتلاء بالتغرب"ص 22 .