الصفحة 31 من 33

ورد هذا: بأنا لا نسلم أن الشفعة ما هي إلا رغبة من الرغبات؛ لأنها حق أثبته الشارع لدفع الضرر، فيورث كأي حق من الحقوق التي يصح فيها الإرث كخيار العيب مثلًا.

الثاني: أن ملك الشفيع للعين التي كانت يشفع بها قد زال عنه بموته، وانتقل ملكها إلى الوارث، وتملك الوارث لها حدث بعد بيع المشفوع فيه، لهذا فلا شفعة له لانتفاء شرطها، وهو وجود ملك الشفيع للعين التي يشفع بها قبل البيع، وبقاؤه إلى زمن الأخذ بالشفعة [1] .

ورد هذا الدليل: بأن الوارث لم يكن حقه في الشفعة بناء على ملكه المتجدد بالميراث، وإنما يكون له الحق في الشفعة بناء على ملك مورثه؛ لأن قيامه مقامه يجعل ملك المورث كأنه مستمر إلى وقت الأخذ بالشفعة فيتحقق الشرط حكمًا، فيكون له الأخذ بالشفعة ميراثا وخلفا عن مورثه.

أما أصحاب القول الثالث: فقد استدلوا على أن الشفعة تورث إذا طلبها الشفيع بعد وجود سببها، ولا يجري عليها الإرث إذا لم يطلبها.

فقالوا: الشفعة قبل طلبها تكون مجرد رغبة للشفيع، تزول بموته، أما بعد طلبها فهي حق ثابت لا يزول بالموت لتأكده وتقريره بالطلب، فلا يسقط [2] .

ورد هذا الاستدلال: أن الشفعة حق أثبته الشارع الحكيم للشفيع بمجرد البيع، فإذا قلنا: إن الشفعة تورث إذا طلبها الشفيع، وجب القول بجواز إرثها إذا لم يطلبها الشفيع أيضًا ما دام قد وجد سببها قبل موته.

والقول المختار: هو القول الأول الذي أجاز ميراث الشفعة مطلقًا سواء أطلبها الشفيع أم لم يطلبها؛ لأن الغالب معايشه الورثة مورثهم حال حياته، وتضررهم بما يتضرر به سنة الحياة، فحكمة مشروعية الشفعة إنما هي لرفع الضرر عن الشفيع وعمن يرثه، فلو سقطت الشفعة بموته بعد وجود سببها -وهو اتصال الملك في المشفوع به والمشفوع فيه- للحق الورثة الضرر الذي ما شرعت الشفعة لمورثهم إلا من أجل إزالته ودفعه.

(1) المبسوط للسرخسي: جـ 14، ص 116.

(2) المغني والشرح الكبير: جـ 5، ص 537.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت