فهرس الكتاب
الفصل الثالث عشر
ميراث الشفعة
الباحث في مسألة ميراث الشفعة يجد للفقهاء فيها ثلاثة أقوال هي:
القول الأول:
الشفعة تورث بموت الشفيع بعد وجود سببها، سواء أكان المورث طلبها، أم لم يطلبها، ذهب إلى ذلك المالكية والشافعية [1] .
القول الثاني:
الشفعة لا تورث إذا مات الشفيع بعد وجود سببها، وقبل الأخذ بها سواء في ذلك ما إذا كان الشفيع قد قام بطلبها، أم لم يطالب بها، ذهب إلى هذا: الأحناف، والحسن، والثوري، وغيرهم [2] .
القول الثالث:
الشفعة تورث، إذا كان الشفيع قد قام بطلبها بعد وجود سببها ثم مات قبل الأخذ بها، ولا تورث إذا لم يطلبها، وتسقط ولا تنتقل إلى الورثة، قال بهذا: الحنابلة والظاهرية [3] .
الأدلة:
لقد استدل من قال بالإرث في الشفعة مطلقًا، بالقياس فقالوا: الشفعة كخيار الرد بالعيب بجامع رفع الضرر في كل، فكما أن خيار العيب يورث، فكذلك حق الشفعة يورث.
ورد هذا الدليل: بأنه قياس مع الفارق، فإن الضرر في العيب محقق، وهو فوات جزء من المبيع قد انتفع البائع بمقابله من الثمن، دون انتفاع المشتري بذلك، ولما كان هذا الضرر يلحق الوارث كما يلحق المورث ثبت لمورثه؛ ليدفع عن نفسه هذا الضرر، أما الشفعة فإن الضرر فيها غير محقق، وكان الظاهر عدم ثبوتها لأجله، لولا ما ورد من الأدلة المثبتة لها، ولا يلزم من اعتبار الضرر غير المحقق لشخص اعتباره لشخص آخر.
ودفع هذا: بأنا لا نسلم الفرق، فإن غاية ما في خيار الرد بالعيب أن العيب محقق، وتحقق العيب لا يستلزم تحقق الضرر فقد يحصل الضرر وقد لا يحصل، بأن كان المبيع مع وجود العيب صالحا لما يقصد منه وكذلك الشفعة، فإن الشفيع قد يتيقن حصول الضرر؛ لعلمه السابق بأخلاق المشتري، وسوء مخالطته، وقد يتيقنه، فاستويا في أن كلا منهما حق شرع لرفع الضرر مطلقًا سواء أكان محققا، أم كان متوقعا.
واستدل أصحاب القول الثاني: القائلون بعدم الإرث للشفعة مطلقًا طلبها الشفيع قبل موته أم لم يطلبها بدليلين:
الأول: الشفعة مجرد رغبة تزول بموت الشفيع، فلا يتصور إرثها لعدم بقائها، سواء أطلبها الشفيع أم لم يطلبها [4] .
(1) بداية المجتهد ونهاية المقتصد: جـ 2، ص 263، فتح العزيز: جـ 11، ص 500.
(2) المبسوط: جـ 14، ص 116.
(3) المغني والشرح الكبير: جـ 5، ص 536، والمحلى لابن حزم: جـ 9، ص 96.
(4) المبسوط للسرخسي: جـ 14، ص 116.