الصفحة 23 من 46

معيَّن شهدنا بها للشخص الذي عيَّنه النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان على سبيل العموم شهدنا بها على سبيل العموم، ولا نطبقها على شخص بعينه، لأن الأحكام الأخروية تتعلق بالباطن لا بالظاهر" [1] ."

واستدلَّ أصحاب هذا القول بعدة أدلة منها:

-حديث أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِه- كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ، وَتَوَكَّلَ اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِهِ بِأَنْ يَتَوَفَّاهُ: أن يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ يُرْجِعَهُ سَالِمًا مَعَ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ) رواه البخاري [2] .

-حديث أبي هريرة أيضًا: عن النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ (لاَ يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ- إِلاَّ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ، اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ، وَالرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ) متفق عليه [3] .

والشاهد من الحديثين قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الأول: (اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِه) وقوله في الحديث الثاني: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ) .

وقد أورد البخاري -رحمه الله تعالى- هذين اللفظين في سياق واحد تحت باب:"لا يقول فلان شهيد" [4] .

قال الحافظ ابن حجر:"ووجه أخذ الترجمة منه يظهر من حديث أبي موسى الماضي (مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) [5] ولا يُطَّلع على ذلك إلا بالوحي، فمن ثبت أنه في سبيل الله أُعطي حكم الشهادة، فقوله: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ) أي: فلا يعلم ذلك إلا من أعلمه الله، فلا ينبغي إطلاق كون كل مقتول في الجهاد أنه في سبيل الله" [6] .

وقال الشيخ ابن عثيمين: فتأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ) -يكلم يعني: يجرح- فإن بعض الناس قد يكون ظاهره أنه يقاتل لتكون كلمة الله هي

(1) قتاوى إسلامية، جمع وترتب: محمد المسند (92 - 93) .

(2) في كتاب: الجهاد، باب: أفضل الناس مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله (3/ 1027) ح (2635) .

(3) البخاري: كتاب: الجهاد، باب: من يجرح في سبيل الله عز وجل (3/ 1032) ح (2649) ومسلم: كتاب: الإمارة، باب: فضل الجهاد والخروج في سبيل الله (13/ 24) ح (1876) .

(4) صحيح البخاري (3/ 1061) .

(5) متفق عليه، وسيأتي تخريجه قريبًا.

(6) الفتح (6/ 90) وينظر: (6/ 20) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت