الصفحة 17 من 30

أ - الشورى في العصر النبوي:

سبق أن ذكرنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم هم النموذج العملي في تطبيق مبدأ الشورى ومثاله وأكثر ما يتجلى تطبيق مبدأ الشورى وممارسته في السير والمغازي والحروب والمعارك إلا أن هذا لا يعني أنها ما كان يعمل بها إلا هناك. وذلك أن الشورى منهاج حياة، وشرعة دين، ونظام حكم، وصبغة أمة وحسبك أنه صلى الله عليه وسلو كان يستشير حتى فيما يحسبه الناس اليوم من الشؤن الخاصة. فقد رمى المنافقون أم المؤمنين عائشة بما برأها الله منه فهي الحصان الرزان [1] فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد [2] .

ولعل أبرز الأمثلة على تلك الممارسة الشورية الراشدة ما حدث يوم بدر وأحد والاحزاب والحديبية. أما في بدر فقد استشار قبل بدايتها جموع المهاجرين والانصار قائلًا اشيروا عليّ أيها الناس فوجدهم على قلب رجل واحد إيمانًا وتسليمًا، ونصرًا ومؤازرة، ووفاء وولاء وعزيمة ومضاء ولم تكن مشاورته لفريق دون فريق. وفيها استجابة لرأي الحباب بن المنذر في هدم القُلُب [3] والإبقاء على قليب منه يستقون. واستشار أصحابه وقد انجلت المعركة ماذا يفعلون بالأسرى فمنهم من أشار بالقتل [4] ومنهم من استشار بأخذ الفدية [5] ومنهم من أشار بجمع حطب جزل [6] وإشعال الوادي عليهم نارًا وهكذا ألقت الشورى بظلالها الممدودة بدءًا وختمًا.

وفي أحد استجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم للجم الغفير من أصحابه ومنهم عمه حمزة سيد الشهداء وعظمهم من الشباب الذين فاتهم شرف بدر ... أخذ برأيهم وترك رأيه ورأي جماعة من أصحابه بالرغم من ر يا الدرع الحصينة والبقر المذبح والسيف المثلوم [7] .

خرج وكان الأصوب البقاء ولكنه تقرير المبادئ وإثبات القيم وتركيز المعاني وقد أسفرت الشورى عن قيمتها العالية في تأكيد الله لها في سورة آل عمران عقب الهزيمة.

ويوم الاحزاب يستجيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لرأي صاحبه سلمان بحفر الخندق ولم يكن تدبيرًا عربيًا معهودًا وفيها يشاور الأنصار على أن يدفعوا للعدو شيئًا من الثمار حت ينصرفوا عنهم فيقولوا ليس لهم عندنا إلا السيف فيقول أنتم وذلك وأعرض عما كان قد شرع فيه من محاولات المساومة على الانصراف.

(1) إشارة غلى قول حساب بن ثابت رضي اللعه عنه

حصان رزان ما تزن بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوامل

(2) القصة أشهر من أن يشار إليها وأشارت إليها كتب السير والمغازي وكتب الحديث وكتب السيرة كابن هشام وكتب التفسير كالقرطبي في سورة النور.

(3) القُلُب ج مفردة قليب وهو البئر أو البركة.

(4) عمر بن الخطاب.

(5) أبو بكر الصديق.

(6) عبد الله بن رواحة.

(7) أول رسول الله صلى الله عليه وسلم الدرع الحصينة بالمدينة والبقر المذبح بقتل جماعة من أصحابه والسيف المثلوم رجل من ذوي قرباه فكان حمزة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت