فهرس الكتاب
الشورى كما حاولنا أن نبين في تلك الصفحات السالفات أمر لازم، وضرورة حتم وصفة من صفات المجتمع المسلم لا تنفك عنه ولا تبارحه. فإذا طرح أمر للشورى وأخذ الرأي واتخاذ القرار وتداول فيه الناس وقلبوه طهرًا لبطن وقتلوه بحثًا؛ وهدي فيه أهل الشورى كلهم أو جلهم إلى رشدهم ورفعوا ما توصلوا إليه إلى الخليفة أو الحاكم أو الإمام أو المسئول أو الراعي أو الأمير أو رئيس الجمهورية أيًا كانت هذه صفته أو اسمه فهل له أن يخرج على ما اجمعوا عليه أو كادوا أم إنَّ يلتزم به متوكلًا؟
اختلف العلماء والمفسرون وأهل الرأي في الإجابة على السؤال الذي طرحناه آنفًا وهو خلاف قديم والآية التي عليها المدار والتي تمثل محور الخلاف هي قوله تعالى من سورة آل عمران {وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله} ففهم بعضهم من هذا القول الكريم أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم، وأولي الأمر من بعده ملتزمون بالمشاورة أو الاستنارة أو نطييب القلوب كما يعبر بعض المفسرين [1] . وفي هذا الرآي افراغ للشورى من محتواها وتحويلها إلى أمر عبثي لا طائل تحته ولا غاية ترجى من ورائها.
ولا يجوز أن تصل الشورى التي أمر الله سبحانه وتعالى بها، وانفذها الرسول الكريم واقعًا وقام بها أصحابه من بعده واجبًا وقال فيها ابن عطية الأندلسي الأصولي المفسر (والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، من لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب هذا ما لا خلاف فيه) [2] ... لا يجوز أن تصل الشورى -هذا شأنها-إلى ذلك الدرك السحيق، والمستوى الشائه الذي يجعل منها ألعوبة في يد الحاكم يستشير ولا يلتزم ويستنصح ولا يتقيد ... يجمع أولي الألباب وأهل الذكر وأهل التجربة وأصحاب الحكمة ثم يضرب بقولهم عرض الحائط غير ملتفت لرأي لبيب ناصح:
وإن باب أمرٍ عليك التوى فشاور لبيبًا ولا تعصه
إن من يفعل ذلك لا يعدو أن يكون مستبدًا لا يشاور إلا نفسه شأنه في ذلك شأن الفتاك الذين قال فيهم سعد بن ناشب المازني:
إذا همَّ ألقى بين عينية ... عزمة * ونكب عن ذكر العواقب ... جانبا
ولم يستشر في رآيه غير نفسه * ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا
إن المقصود من الشورى إنضاج الرأي على نار هادئة فيها المداولة الحرة والصدر الفسيح والالتزام الصارم بما تفضي إليه من نتائج. والقول بأنها معلمة غير ملزمة يفسد أمرها ويخرب ديارها فإذا هي بلاقع وما عرف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يشاور ويعصي ذوي شوراه بل عرف عنه أنه كان يتنازل عن رأيه لرأي الأخرين كما حدث في حادثة تهديم القلب وردمها وكما حدث في الخروج عن المدينة يوم أحد، وكما قال لصاحبيه أبي بكر وعمر لو اجتمعتما ما خالفتكما. وهذا بالطبع في مجال الشورى لا في مجال الوحي الذي لا شورى فيه فلا يحتج علينا بما حدث يوم الحديبية. ثم إذا سلمنا أن هذا للرسول الكريم إنما أنا بشر مثلكم يوحى
(1) ينظر في هذا القرطبي أحكام القرآن 4/ 249 وما بعدها.
(2) القرطبي أحكام القرآن 4/ 249.