فهرس الكتاب
أناخ الاستعمار [1] الغربي في القرن الماض بكلكله على أجزاء واسعة جدًا من عالمنا الإسلامي. وكان لها أثره البعاد عن حياة المسلمين فكرًا وسياسة وغجتماعًا واقتصادًا ... كانت حضارة غازية غالبة تبلورت تجاهها ثلاثة اتجاهات فمن الناس من رأى ان نتحصن ضدها بالمتاريس. وأن نغلق في وجهها كل باب ونافذة وأن نعتبر كل ما جاءنا منها شرًا محضًا وكفرًا صريحًا فالديمقراطية [2] مثلًا كفرًا بواحٌ ينبغي أن تفر منه فراررك من الاسد ومنهم من رأى ألا سبيل إلى التقدم والرقي والحضارة إلا باتباع الغربيين حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب دخلناه ... فأخذ حضارتهم بحذافيرها بحلوها ومرها وخيرها وشرها [3] اما الاتجاه الثالث فتمثله قافلة الثقافة الإسلامية الكبرى بعلمائها ودعاتها ومؤسساتها الرسمية والشعبية التي تعبر عن وسطية المنهج واعتدال الفكر والنظر. أما الاتجاه الأول والثاني فمن تطرف بالموضع الذي يزهد فيها وسنضرب عنهما صفحًا غلا في حدود صيغة الردولا سيما على الاتجاه الأول إتجاه الرفض المطلق لكل ما هو غربي أجنبي وافد وذلك لتأثيره في بعض العقول والمواقف العلمية التي قد تفضي أحيانًا غلى سفك الدم الحرام، او انتهاك الحرمات نغير مصوغ.
إنشل رجالات الفكر الإسلامي المعاصر من ذوي الاتجاهات الفكرية المقتصدة والنظر السياسي المعتدل بقضية من أخطر القضايا الفكرية والسياسية التي تواجه المسلمين اليوم. وهي قضية من نتاج الفكر الغربي الذي سلك الناس فيه طرائق قددا كما قدمنا في صدر الحديث. تلكم هي قضية الديمقراطية وما تبعها من قضايا ليست هي من صنع الغرب خاصة وإن وجدت صداها، وحققت قدرًا من مداها، وأنجزت شيئًا من أبعادها في الحياة الغربية وذلك كالحريات العامة وحقوق الإنسان والتعددبة السياسية والتداول السلمي للسلطة.
أوللا بعض المعاصرين تلك القضايا إهتمامًا كبيراص وذلك لما لها منشأن في حياة الناس ولنبدأ بشؤال عن الديمقراطية، ما الديمقراطية ويقابلها بالنجليزي ( Democracy ) كلمة يونانية من مقطعين ( Demos ) وتعني الشعب و ( Cratos ) وتعني السلطة فهي إذن سلطة الشعب. وصورتها المثالية أن يجتمع الشعب كله ويحكم نفسه ولما كان هذا عسيرًا بل مستحيلًا فلا مفر من الإنتخاب والتفويض والتوكيل والتمثيل وهكذانشأ الحكم النيابي. قد تدفع بعضهم الحماسة للقول الديمقراطية هي الإسلام، ويقابل هؤلاء في الطرف الأخر من يزعم أن هناك طلاقًا بائنًا بينونةكبرى بين الإسلام والديمقراطية فما بين الإسلام والديمقراطية بعد المشرقين وإنما هما كما يقول أهل الهندسة خطان متوازيان لا يلتقيان في أي نقطة من النقاط. فالإسلام حكم الله والديمقراطية حكم الشعب والأغلبية الميكانيكية التي يمكن أن تحل ما حرم الله ويمكن أن تحرم ما أحل الله، يمكن أن تمنع الطيبات ويمكن أن تبيح الخبائث. وهذه حجة يمكن أن ترد على من يقول إن الإسلام الديمقراطية متطابقان تمامًا في كل شيء ولم يقل بهذا رجل رشيد يعرف الإسلام، ويعرفالديمقراطية. وليس من مسلم عاقل واحد يريد أن يأخذ الديمقراطية بحذافيرها ... وقضها وقضيضها ... بشرها وخيرها ... وفي كل جزئية من جزئياتها أو فرع من فروعها. وغاية ما هناك أن الديمقراطية بأساليبها وآلياتها وإجرائاتها استطاعت أن تحقق نجاحًا كبيرًا باهر في كثير من المجالات ولعل أبرز مجال في ذلك مجال التداول السلمي للسلطة فأيهما خير في مجيزان الخير والحق والعدل والمصلحة أن يتداول الناس السلطة عن طريق الانتخاب والتفاوض والتراضي أن أن يتنازعوا عليها بالقوة والسطوة والجبروت فتزهق الأرواح وتسفك الدماء ويروع الآمنون وتنهب الأموال وتنتهك الحرمات ويهلك الحرث والنسل؟ أيُّ الطريقين أحق أن يتبع الأول بسلمه وأمنه وبعده عن الإحتراب والإقتتال أم الثاني بعجزه وبجره ومصائبه وآفاته. إننا - المسلمين- مطالبون بالبحث والتنقيب عن الأصلح لنا في ديننا ودنيانا وغن تعارضت مصلحتان أخذنا بأكبرهما وأوفاهما وأعمهما، وإن ووجهنا بشرين ركبنا أخفهما وطأة وأقلهما ضررًا وأيسرهما مركبًا والحكمة - بعد - ضالة المؤمن ينشدها أنى وجدها فهو أحق بها لا يهمه من أي وعاء خرجت.
ولو خير المسلم بين خحكم استبدادي قهري يكمم الأفواه ويحصي الأنفس ويكسر الأقلام ويعقل العقول، وحكم ديمقراطي يشم منه رائحة الحرية ويستنشق فيع عبيرها يقول فيه كلمة وهو آمن ويصدع فيه برأيه وهو مطمئن فأي الحكمين أحق بالتباع عند أولى الألباب؟
إن المسلم ليس بريشة في مهب الريح يقف مشلول الإرادة أمام الخيارات السياسية والفكرية إن عنده من المقاييس الشرعية والمعايير العقلية والملكات الأخلاقية ما يجعله يأخذ ويدع في قوة واقتدار وعزة وصلابة لقد خرج المسلمون الأواءل فاتحين لقلوب العباد والبلاد بعد أن تضلعوا في العلو قرآنًا وحديثًا فاستنارت منهم العقول، واسفرت منهم البصائر كيف وقد صيغوا صياغة ربانية إيمانية جعلتهم يأخذون كل حكمة صائبة وكل تجربة نافعة وكل أسلب رشيد وإن لم يكن معهودًا عندهم من قبل [4] وجدوا - وهو من تأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم في حفره للخندق وتخاذه خاتمًا لكتبه ورسائله - أناسًا قد سبقوهم في مضمار الحضارة المادية وترتيب شئون الدنيا كاتخاذ الدواوين والتعامل بالعملة النقدية المعدنية قلم يجدوا بأسًا ولا حرجًا في اتخاذ كل أسلوب من شأنه أنييسر التعامل ولا يعسره. نعم قد يعدلون وقد عدلوا فهم لا يأخذون أخذ العميان ولكن أخذ البصير المقتدر. فإن كانت على العملة صورة امبرطور مستكبر مثلًا محوها وكتبوا بديلًا عنها الشهادة كاملة أو مجزوءة، وقد تكتب حكمة من الحكم منثورة أو منظومة كما فعل حكام المسلمين الذين جاءوا من بعدمن أمثال يوسف بن تاشفين [5] بالمغرب إن باحث تاريخ المسلمين في عهد القوة والمنعة والإزدهار ليلاحظ أن المسلمين كانوا ينظرون في الشأن العام نظرًا واسعًا منفتحًا لا يحمل معه أي أمارة من أمارات انحسار الصبر، وضيق العطن وانسداد الأفق. لقد انفتح سلفنا الصالح على تجارب الأمم من حولنا غير هيابين ولا وجلين وذلك للحق
(1) نشير هنا بصفة خاصة غلى انجلترا وفرنسا وهولندا والبرتغال وايطاليا.
(2) من هؤلاء تقي الدين النبهاني وأتباعه من حزب التحرير وقد كتب د. محمود الخالدي - جامعة اليرموك - متأثرًا بهذا الفكر كتابه (نقض النظام الديمقراطي) وهو مذهب غلو وشطط.
(3) كلمات مشهورة للدكتور طه حسين وله في ذلك الاتجاه كتاب (مستقبل الثقافة في مصر) إذ عد مصر جزءًا من الغرب لا علاقة لها بالشرق.
(4) نقل ابن القيم مناظرة بن أبي الوفاء بن عقيل وبعض نعاصريه ممن قال (لا سياسة إلا ما وافق الشرع) فقال أبو الوفاء إن اردت بقولك لا سياسة إلا ما وافق الشرع أي لا يخالف ما نطق به الشرع فصحيح، وإن أردت الا ما نطق به الشرع فغلط وتغليط للصحابة) واستطرد قائلًا • اذا ظهرت امارات الحق وقامت أدلة العقل وأسفر صبحه بأي طريق كان ثم شرع الله ورضاه وأمره) الطرق الحكيمة لابن القيم.
(5) أشار صاحب المستقصى في أخبار المغرب الأقصى إلى شيء من ذلك.