ثُمَّ ظَهَرَتْ فِتْنَةٌ أَضَاعَتْ حَقَّ العُلَمَاءِ ، وفتحت باب التعالم للجهلاء ، ألا وهي فتنة طلب العلم عن طريق الكتب والأشرطة ، يزعم أربابها أن العلم له أبواب واسعة ، وطرق عديدة ، فنسب العلم لهم زورا وبهتانا ، واتخذهم الناس رؤوسا وهم جهالا ، فلا حول ولا قوة إلا بالله . فهل من رافع قلمه تجاه هؤلاء بالنصيحة والإرشاد ، وجارحا لهم إن لم يحصل منهم عواد. فكم تفاجئنا بفلان بأنه عالم وله ومركز للتدريس ، ثم يعرف بعدم تلقيه عند العلماء الثقات لطلب العلم. ولقد أحسن الصحابي الجليل حذيفة رضي الله عنه حيث قال: (( إذا عمت الفتنة ميز الله أولياءه ) ) [1] .
وقد وقع التشنيع على ابن حزم الظاهري لأنه لم يلازم الأخذ عن الشيوخ ولا تأدب بآدابهم وكذلك ابن الجوزي لأخذه العلم من الصحف وليس هذا البحث تزهيد في القراءة في كتب السنة والفقه والتفسير وغيرها أو أن هذا منقصة في طالب العلم لاهتمامه بالقراءة بل هي منبع عظيم للتزود من العلم لكن بعد التزود من المشايخ لأنهم مفاتيح العلم ومفاتيح الكتب ، لذلك كانت الرحلات لطلب العلم شاهد من شواهد العلم يعرف بها الرجل العالم من الرجل الصحفي الذي بقي في بلده .
وقد عاب السلف الذي يقتصر على طلب العلم عند علماء بلده ولا يرحل إلى غيره، فكيف بالذي لم يطلب العلم أصلا عند أي عالم ولكنه تفقه وتعلم من بطون الكتب فقط ، فإذا سألنا عن شيخه وسنده ومرجعه قالوا كتابه.
فالعلم يبدأ بالسماع من العلماء كما ذكر ذلك سفيان بن عيينة - رحمه الله - فقال:
أول العلم الاستماع ثم الإنصات ثم الحفظ ثم العمل ثم النشر . [2]
(1) - فتح الباري 9/241 وأحاله ابن حجر فقال: وروى على بن معبد في كتاب الطاعة والمعصية من حديث حذيفة .
(2) - الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع للقاضي عياض 1/221.