الصفحة 3 من 18

ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ [الأنعام: 85 - 90] .

(2) قال ابن القيم -رحمه الله- (التفسير القيم ص323) عند هذه الآية: الطمأنينة سكون القلب إلى الشيء وعدم اضطرابه وقلقه ومنه الأثر المعروف (الصدق طمأنينة والكذب ريبة) أي: الصدق يطمئن إليه قلب السامع ويجد عنده سكونًا إليه, والكذب يوجب اضطرابًا وارتيابًا ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: (( البر ما اطمأن إليه القلب ) )أي: سكن إليه وزال اضطرابه وقلقه, وفي ذكر الله ههنا قولان: أحدهما: أنه ذكر العبد ربه فإنه يطمئن إليه قلبه ويسكن فإذا اضطرب القلب وقلق فليس له ما يطمئن به سوى ذكر الله ثم اختلف أصحاب هذا القول فيه, فمنهم من قال: هذا في الحلف واليمين , إذا حلف المؤمن على شيء سكنت قلوب المؤمنين إليه واطمأنت. ويروى هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما. ومنهم من قال: بل هو ذكر العبد ربه بينه وبينه, يسكن إليه قلبه ويطمئن.

والقول الثاني: إن ذكر الله ههنا القرآن , وهو ذكره الذي أنزله على رسوله به طمأنينة قلوب المؤمنين , فإن القلب لا يطمئن إلا بالإيمان واليقين, ولا سبيل إلى حصول الإيمان واليقين إلا من القرآن, فإن سكون القلب وطمأنينته من يقينه واضطرابه وقلقه من شكه, والقرآن هو المحصل لليقين الدافع للشكوك والظنون والأوهام, فلا تطمئن قلوب المؤمنين إلا به , وهذا القول هو المختار. وكذلك القولان أيضًا في قوله تعالى (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانًا فهو له قرين) [الزخرف: 36] , والصحيح أن ذكره الذي أنزله على رسوله وهو كتابه من أعرض عنه قيض الله له شيطانًا يضله ويصده عن السبيل , وهو يحسب أنه على هدى.

وكذلك القولان أيضًا في قوله تعالى: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكًا ونحشره يوم القيامة أعمى) [طه: 124] , والصحيح أنه ذكره الذي أنزله على رسوله وهو كتابه, ولهذا يقول المعرض عنه: (رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرًا قال كذلك أتتنا آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى) [طه: 125 -126] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت