فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 109

من سعادة أخيكم هذا أنّ حظّه من هذه الثروة المعنوية موفور، وأنه يكاثر بها ويفاخر، ويعتز بها ويغالي، ويعتد ويقالي، وحَسْبُه من الحظوظ في الحياة أن يكون له أصدقاء أصفياء من هذا الطراز، يصدقونه المحبة، والمحبةُ ملاك، ويصدقونه الهوى، والهوى مسَّاك، ويمحضونه التقدير، والتقدير مِسَنّ، ويشاركونه في المبدأ، والمبادئ أرحام عند أهلها.

وما لي لا أكون موفور الحظ من هذه الثروة وهؤلاء الإخوان الذين أجتلي غررهم، وكأنما أستشف من وراء الغيب سرائرهم ما اجتمعوا إلا بسائق واحد ليس من حدائه نغم الرغبة والرهبة، ولا هرج الرياء والنفاق، وإنما هو الوداد الخالص والصفاء الصافي، والتكريم لأخٍ أحبهم وأحبوه في المشهد والمغيب، والتقوا به في ميدان القلم بعيدًا، وفي ميدان اللسان قريبًا؛ فكان بين أرواحهم وروحه تجاوب هو من أثر يد الله في الأرواح المتعارفة.

أيها الإخوان:

إن من مذاهبي التي انتهتْ بي تجارب الحياة إليها أنني لا أفهم الصداقة كما يفهمها الناس، وإنما أفهمها امتزاجًا فكريًا سَبَّبتْهُ عوامل خفية المسارب في الجَبَلّة الأولى؛ ولذلك فأنا أفهم أن الصداقة لا تزول ولا تنتهي بعداوة من الجانبين، فإن انتهت بعداوة من الطرفين دلّ ذلك على أنها ليست صداقة، وإنما هي شيء مقنّع يسميه العرف المنافق المتساهل صداقة وليس بها، إنما هو تجارة انتهت بانتهاء المصلحة، أو زواج متعة انتهى بانتهاء الأجل.

أما الصداقة الطاهرة البريئة فهيهات أن تنتهي بعداوة.

ولقد يعرف مني إخواني الملابسون لي أني لم أُعادِ في عمري صديقًا، فإذا بادأنِي بالعداوة لم أُجارِه في ميدانها خطوة، ووكلته إلى الزمان الذي يقيم الصّعْر، فإذا هو تائب منيب، أو خجلان متستر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت