فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 109

وقد يسبني أقوام في ما ليس فيّ، فلا أقطع عنهم عادة من عوائد البر والرفق؛ لعلمي أنهم إنما يسبون غيري بعد أن يلبسوه اسمي، وإن هذا لمن طوابع التربية المحمدية، بين أتباع سنته، عبر عنها بجملة من جوامع كلمه:

(( إنهم يقولون مذمم وأنا محمد ) ).

أيها الإخوان:

لقد سمعت كلمات من بعض خطباء هذا الحفل وأنا غير راض بها ولا عنها، وأنا كنتُ - وما زلتُ - أحارب هذه الألقاب، وقد سمعنا من شوقي قوله: (( إذا كثر الشعراء قلَّ الشعر ) )، وعلى هذا الوزن يصح أن نقول: إذا كثر المجاهدون قلَّ الجهاد.

إن المجاملات لا تكون إلا حيث يكون الضعف، وإن هذه الألقاب لا تتمكن إلا حيث تفقد المناعة الخلقية المتينة، ولذلك لا نجدها عند أسلافنا الذين قوي في نفوسهم سلطان الأخلاق، وما نبتت هذه المجاملات إلا في العصور الإسلامية المتأخرة حينما وقف تيار العلم والخلق، وضعفت دولة السيف والقلم، قادتهم هذه الحالة إلى التمَجُّد الأجوف بالكلمات الضخمة الجُوفِ، ولذلك كثرت الألقاب وصرنا نسمع هذه (( الطّغراء(1) )): الكاتب الكبير، المجاهد العظيم، الزعيم الكبير …

إنني لم أكن مجاهدًا، وإذا كنت ففي شيء واحد هو محاربة البدع والضلالات ومحو الأمية، وتعليم الأمة، وهذه أمور عادية لا ترفع القائم بها إلى مستوى الجهاد.

وحقًا إن الألقاب التي اعتدنا استعمالها إنما هي (( طغراءات ) )جُوف لا تحقق أمنية، ولا تؤدي إلى غاية شريفة.

إن عبد الحميد بن باديس كان إمامًا في العلم والتواضع، ومع ذلك فما كان إخوانه يخاطبونه بشيء من ألقاب الزعامة الفضفاضة.

(1) - الطغراء: هي الطرة التي تكتب في أعلى الكتب، والرسائل، أو تقال في مقدمات الخطب، وتتضمن نعوتًا، وألقابًا وأصلها: طورغاي، وهي كلمة تترية، ثم استعملها الروم، والفرس، ثم أخذها العرب عنهم، انظر المعجم الوسيط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت