فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 109

ينبغي للرجل أن يتخير لصداقته الفضلاء من الناس، فهؤلاء هم الذين تجد الصداقة فيهم قلوبًا طيبة، فتنبت نباتًا حسنًا، وتأتي بثمر لذيذ،

قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة:

عزيزٌ إخائي لا ينال مودتي ... من القوم إلا مسلمٌ كاملُ العقل

وقال آخر:

وبغضاء التقىِّ أقلُّ ضيرًا ... وأسلم من مودة ذي الفسوق

وكثيرًا ما يقاس الرجل بأصدقائه، فإن رآه الناس يصاحب الفساق والمبتدعين سبق إلى ظنونهم أنه راضٍ عن الابتداع ولا يتحرج من الفسوق.

وقد صرح أحد الشعراء بأنه ترك مودة رجل من أجل أنه يصاحب الأراذل من الناس، فقال:

يزهدني في ودك ابن مساحق ... مودتُك الأرذال دون ذوي الفضل

الاحتراس من الصديق:

قد يوصي بعض الأدباء بالاحتراس من الصديق، كما قال أحدهم:

أما العداة فقد أروك ظنونهم ... وأقصد بسوء ظنونك الإخوانا

وأتى على هذا المعنى آخر، وأبدى له وجهًا، هو الخوف من أن ينقلب الصديق إلى عدو، فيكون أدرى بوجه الضرر، فقال:

احذر عدوك مرة

فلربما انقلب الصديـ ... واحذر صديقك ألف مرة

ـق فكان أعلم بالمضرة

والقول الفصل في هذا أن صديق المنفعة متى عرف الإنسان وجه صداقته كان له أن يحترس منه، ويكون هذا موضع الأشعار التي تنصح بالاحتراس مع الأصدقاء.

أما من انعقدت بينك وبينه صداقة الفضيلة، وكنت على يقين من أن هذا وجه صداقتكما - فلا موضع للاحتراس منه.

فإن اجتهدت أيها الألمعي رَأْيَك في صداقة شخص، وبدا لك أنها صداقة فضيلة، ثم رأيت منه ما لم تكن تحتسب - فلا يَحْمِلْك هذا الخطأُ في الاجتهاد على الاحتراس من كل صداقة؛ فإن ما وقع إنما هو أمر نادر، والأمور النادرة لا تتخذ مقياسًا في معاملة الأصدقاء، ولا تستدعي أكثر من أن تستعيذ بالله من شرها، ثم تمضي مع أصدقائك الفضلاء في وداعه خلق، وسماحة نفس.

هل الصداقة اختيارية؟

إذا كانت الصداقة الشريفة ترجع إلى محبة الشخص لفضيلته، كانت غير اختيارية؛ لأنها ترتبط بسبب هو الفضيلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت