فهرس الكتاب
وقد أشار بعض الأدباء إلى أنه لا منة له في الصداقة حتى يستحق عليها الحمد، فكتب إلى صديق له: (( إني صادفت منك جوهر نفسي، فأنا غير محمود على الانقياد إليك بغير زمام؛ لأن النفس يتبع بعضها بعضًا ) )
والواقع أن الاختيار يرجع إلى فتح الصدر لها، وربط القلب عليها، والسير في الأقوال والأفعال على مقتضى عاطفتها؛ فإذا حمدت الرجل على صداقته فإنما تحمده على أنْ أَقرَّها في صدره مغتبطًا بها، ثم جرى على ما تستدعيه من نحو المواصلة والمؤانسة.
دعوى أن الصداقة الخالصة مفقودة:
يزعم بعض الأدباء أن الصداقة الخالصة من كل شائبة مفقودة، ومن هؤلاء من ينفيها من الدنيا بإطلاق كما قال أبو الجوائز الحسن ابن علي:
دعِ الناسَ طرًَّا واصرف الودَّ عنهمُ
ولا تبغ من دهرٍ تظاهرَ رَنْقُهُ
وشيئان معدومان في الأرض: درهمٌ ... إذا كنت في أخلاقهم لا تسامح (1)
صفاء بنيه والطباع جوامح (2)
حلالٌ، وخلٌّ في الحقيقة ناصح
وقال آخر:
زمانٌ كلُّ حبٍّ فيه خِبٌ
له سوق بضاعته نِفَاق ... وطعم الخِلِّ خَلٌّ لو يذاق (3)
فنافِقْ فالنِّفَاقُ له نَفَاق
ومنهم من يشكو أهل زمانه، ويخبر بأنه لم يجد من بينهم من يصطفيه للصداقة، كما قال بعضهم:
خَبَرْتُ بني الأيام طُرًَّا فلم أجد
وأصفيتهم مني الودادَ فقابلوا
وما اخترت منهم صاحبًا وارتضيته ... صديقًا صدوقًا مسعدًا في النوائب
صفاءَ ودادي بالنَّوى والشوائب
فأحمدته في فعله والعواقب
وكما قال الطُّغرائي:
فلا صديق إليه مشتكى حزني ... ولا أنيس إليه منتهى جذلي (4)
والحق أن صاحب الفضيلة لا يعدم الصديق الفاضل، وتُحْمَل هذه الأشعار وأمثالها على أن أصحابها قد نظموها في أحوال خاصة، كأن يروا من بعض من كانوا يعدونهم أصدقاء أمورًا يكرهونها، أو يروا منهم سكونًا حيث يجب عليهم أن يتحركوا لإسعادهم.
الصديق المخلص عزيز:
(1) - طرًا: جميعًا
(2) - رنقه: كدره
(3) - الخب: الخداع
(4) - الجذل: الفرح