فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 109

إن كان أصدقاء المنفعة كثيرًا فإن الذي يحبك لفضلك، وتحبه لفضله حبًا يبقى ما بقيت الفضيلة - عزيزُ المنال.

قال يونس: اثنان ما في الأرض أقل منهما ولا يزدادان إلا قلة: درهم يوضع في حق، وأخ يُسْكن إليه في الله.

وهذا الصديق هو الذي حثك الشاعر على التمسك به فقال:

وإذا صفا لك من زمانك واحدٌ ... فاشددْ عليه وعِشْ بذاك الواحدِ

وكلما قضى الإنسان مرحلة من عمره في الاعتبار والتجارب ازداد علمًا بأن أصدقاء الفضيلة لا تسمح بهم الأيام إلا قليلًا.

وإذا بدا لك أن أصدقاءك في وقت الشباب أكثر من أصدقاءك وأنت شيخ - فإن الشاب مقبل على الحياة في شيء كبير من النشاط والارتياح؛ فيكون أسرع إلى اتخاذ الأصدقاء من الشيخ الذي ترك طولُ السنين في عظامه فتورًا، وأبقت الحوادث في صدره ضيقًا.

وإن شئت فقل: إن الشباب لم يزل على الفطرة، فيقيم صداقته على الظواهر، ولا يبالغ في نقد الناس مبالغة الشيخ الذي يحمله طول التجارب على أن يتريث في اختيار الأصدقاء.

ويضاف إلى هذا أن الشيخ لا يبلغ السن الذي يبلغه حتى يأخذ الموت من أصدقائه فوجًا أو أفواجًا.

وفَقْد الأصدقاء يترك في نفس الرجل وحشة، وربما وقع في ظنه، وجرى على لسانه استبعاد أن يجد بعد أولئك الأصدقاء من يماثلهم في إخلاص المودة والوفاء بالعهد.

الإغماض عن عثرات الأصدقاء:

يرى الباحثون في طبائع البشر أن ليس فيهم من يتخذ صديقًا، ويُرْجَى منه أن يسير على ما يُرْضِي صديقه في كل حال، ودَلَّتْهُمُ التجارِبُ على أنَّ الصديق - وإن بلغت صداقته المنتهى - قد يظْهر لك من أمره ما لا يلائم صلة الصداقة؛ فلو أخذت تهجر من إخوانك كلَّ مَنْ صدرت منه هفوةٌ لم تلبث أن تفقدهم جميعًا، ولا يبقى لك على ظهر الأرض صديق غير نفسك التي بين جنبيك.

عرَّف هذا المعنى الشاعر الذي يقول:

ولست بمستبق أخًا لا تُلِمُّه ... على شَعَثٍ أيُّ الرجالِ المهذبُ

والذي يقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت