فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 109

أُغْمِّض للصديق عن المساوي ... مخافة أن أعيش بلا صديق

والذي يقول:

ومن يتتبعْ جاهدًا كل عثرة ... يجدْها ولا يَسْلمْ له الدهرَ صاحبُ

وقد عبر عن هذا المعنى بشار بن برد إذ قال:

إذا كنت في كل الأمور معاتبًا

فعش واحدًا أَوْصِلْ أخاك فإنه

إذا أنت لم تشرب مرارًا على القذى ... صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه

مُقَارِفُ ذنبٍ مرة ومُجَانبه

ظمئت وأيُّ الناسِ تصفو مشاربه

وإذا كان الصفح عن الزلات من أفضل خصال الحمد - فأحق الناس بأن تتغاضى عن هفواتهم رجالٌ عرفت منهم المودة، ولم يقم لديك شاهد على أنهم صرفوا قلوبهم عنها.

معاملة الأصدقاء بالمثل:

يذهب بعض الناس إلى أن يسيروا مع الأصدقاء على مثل سيرتهم معهم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، وأشار إلى هذا المذهب أبو القاسم الحريري في مقاماته بمثل قوله: (( بل نتوازن بالمقال وزن المثقال، ونتحاذى في الفعال حذو النعال ) ).

والقول الفصل في هذا أنَّ ما يصدر من الصديق إن كان من قبيل العثرة التي تقع في حال غفلة، أو خطأ في اجتهاد الرأي - فذلك موضع الصفح والتجاوز، ولا ينبغي أن يكون له في نقض الصداقة أثر كثير أو قليل.

أما إن كان عن زهد في الصحبة، وانصرافٍ عن الصداقة، فلك أن تزهد في صحبته، وتقطع النظر عن صداقته.

وهذا موضع الاستشهاد بمثل قول الكُميت:

وما أنا بالنِّكس الدنيء ولا الذي

ولكنه إن دام دمت وإن يكن

ألا إن خير الودِّ ودٌّ تَطَوَّعت ... إذا صدَّ عني ذو المودةِ يقرب

له مذهب عني فلي فيه مذهب

له النفس لا ودٌّ أتى وهو مُتْعَب

والفرق بين عثرة قد تصدر من ذي صداقة، وبين جفاء لا يكون إلا من زاهد في الصداقة - يَرْجِعُ فيه الرجلُ إلى الدلائل التي لا يبقى معها ريب.

والتفريط في جانب الصديق ليس بالأمر الذي يستهان به؛ فلا ينبغي الإقدام عليه دون أن تقوم على قصده لقطع المودة بَيِّنةٌ واضحةٌ.

عتاب الأصدقاء:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت