فهرس الكتاب
ولم أُخْفِ عنه السرَّ مَنْ ظنَّةٍ به ... توهم أنَّ الودَّ غيرُ حقيقيْ
ولكنني أخشى صديقَ صديقيْ
والقول الفصل في هذا أن الأمر يرجع إلى قوة ثقتك بصديق الفضيلة، وذكائه، وفهمه قصدَك لأن يكون هذا السرُّ في صدره، لا يتجاوزه إلى غيره؛ فإن كان صديقك على هذا المثال فأطلعه على ما في نفسك؛ فإنما أنت وهو روح واحدة، ولكنها في بدنين، فإن كان مع صداقته الخالصة لا تأمن أن يجري على لسانه بعض ما أفضيت به إليه فذلك موضع قول الشاعر:
ولكنني أخشى صديق صديقي
ومن الأذكياء من يحرص على كتم سرِّ صديقه، فلا يفضي به إلى صديق له آخر، ولا سيما صديقًا ليس بينه وبين الذي أودع عنده السر صلة صداقة، قال مسكين الدارمي:
أواخي رجالًا لست مُطلعَ بَعْضِهم
يَظلَّون شتى في البلاد وسرُّهم ... على سرِّ بعضٍ غير أني جِماعُها
إلى صخرة أعيا الرجالَ انصداعُها
أثر البعد في الصداقة:
شأن الصداقة أن تنعقد بين شخصين يقيمان في موطن، وتبقى حافظة المظاهر ما دام الصديقان يتمتعان بأنس القرب والتزاور، فإن فرَّقت الأيام بين داريهما، وبدَّلَتْهما بالقرب بعدًا، وبالأنس شوقًا بقيت الصداقة في قوتها، وإنما يكون للبعد أثر في مظاهرها.
وذكر أرسطو أن الغَيْبَة الطويلة من شأنها أن تنسي الصداقة، وساق على هذا المثل الذي يقول: (( كثيرًا ما أودى بالصداقة سكوت طويل ) ).
ونحن نرى أن صداقة الفضيلة متى بلغت منتهاها لا تأخذ الغَيبة الطويلة شيئًا أكثر من مظاهرها.
وربما عُقِدَت الصداقة بين شخصين لم يتجاورا ولم يلتقيا، وإنما عرف كلٌّ منهما فضل الآخر على بعد، ولم يكن بينهما اتصال إلا من طريق المراسلة:
وإني امرؤ أحببتكم لمكارم ... سمعت بها والأذن كالعين تعشق
وكثيرًا ما تأتي هذه الصداقة بثمار طيبة غزيرة، وإن كان مسلكها في الروح غير مسلك الصداقة الناشئة عن لقاء ومشاهدة.
الصداقة صلة بين الشعوب: