يعزى القول بالصرفة عند كثير من الباحثين، إلى أنه من التيارات التي وفدت علينا من الخارج ، وأن بعض المتفلسفين من علماء الكلام ، وقفوا على أقوال البراهمة في كتابهم الفيدا [1] ، وهو يشتمل على مجموعة من الأشعار ، ليس في كلام الناس ما يماثلها
-في زعمهم -، بل يقول خاصتهم: إن البشر يعجزون عن أن يأتوا بمثله ، لأن
-براهما- [2] صرفهم عن أن يأتوا بمثلها ، يقول-أبو الريحان البيروني ( ت سنة 430هـ) في كتابه - ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة - ما نصه: ( إن خاصتهم يقولون إن في مقدورهم أن يأتوا بأمثالها ، ولكنهم ممنوعون عن ذلك احتراما لها ) [3] ، والظاهر أن هذه الفكرة قد وفدت للساحة الفكرية الإسلامية ، عندما ترجمت الفلسفات الهندية في عهد - أبي جعفر المنصور- [4] ومن جاء بعده من حكام بني العباس ، فتلقف الذين يحبون كل وافد من الأفكار، ويركنون إلى الإغراب في أقوالهم ، هذه الفكرة الغريبة الوافدة، ودفعتهم الفلسفة إلى أن يعتنقوا هذا القول ويطبقوه على القرآن، - وإن كان لا ينطبق- ، فقال قائلهم: إن العرب إذ عجزوا عن أن يأتوا بمثل القرآن ، ما كان عجزهم لأمر ذاتي من ألفاظه ومعانيه ، ونسجه ونظمه ، بل كان لأن الله تعالى صرفهم عن أن يأتوا بمثله .) [5]
(1) - الفيدا: كتاب يشمل أربعة كتب مقدسة للهندوس ، وقد كتب باللغة السنسكريتية
محمد غلاب: مشكلة الألوهية - ص97.
(2) - براهما:من آلهة الهندوس ، وهو عندهم مرادف للمطلق الأعلى أو ( الأتمان )
المرجع السابق ص 98 .
(3) - نقلا عن د. عرفة بسيوني: فكرة النظم في تطورها وأهدافها ، ص 35 .
(4) - أبو جعفر المنصور: عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس ، ولد سنة 95هوتوفي سنة 158هـ: السيوطي: تاريخ الخلفاء ص 259 .
(5) - أبو زهرة: المعجزة الكبرى- القرآن: - ص 69 -71 ،