وأما عُنُقه فكأنه جِيدُ دُمْيَةٍ في صفاء الفضة، وكان في أَشْفَاره عَطَف، وفي لحيته كثافة، وكان واسع الجبين، أزَجّ الحواجب في غير قرن بينهما، أقْنَي العِرْنِين، سَهْل الخَدَّيْن، من لُبَّتِه إلى سُرَّتِه شعر يجري كالقضيب، ليس في بطنه ولا صدره شعر غيره، أشْعَر الذراعين والمنكبين، سَوَاءُ البطن والصدر، مَسِيح الصدر عريضه، طويل الزَّنْد، رَحْب الراحة، سَبْط القَصَب، خُمْصَان الأخْمَصَيْن، سَائِل الأطراف، إذا زَالَ زَالَ قَلْعًا، يخطو تَكَفِّيًا ويمشي هَوْنًا .
وقال أنس: ما مسست حريرًا ولا ديباجًا ألين من كف النبي صلى الله عليه وسلم، ولا شممت ريحًا قط أو عَرْفًا قط، وفي رواية: ما شممت عنبرًا قط ولا مِسْكًا ولا شيئًا أطيب من ريح أو عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقال أبو جُحَيْفة: أخذت بيده، فوضعتها على وجهي، فإذا هي أبرد من الثلج، وأطيب رائحة من المسك .
وقال جابر بن سمرة ـ وكان صبيا: مسح خَدِّي فوجدت ليده بردًا أو ريحًا كأنما أخرجها من جُونَةِ عَطَّار .
وقال أنس: كأن عرقه اللؤلؤ . وقالت أم سليم: هو من أطيب الطيب .
وقال جابر: لم يسلك طريقًا فيتبعه أحد إلا عرف أنه قد سلكه من طيب عَرْفِه . أو قال: من ريح عرقه .
وكان بين كتفيه خاتم النبوة مثل بيضة الحمامة، يشبه جسده، وكان عند نَاغِض كتفه اليسري جُمْعًا، عليه خِيَلان كأمثال الثَّآلِيل .
كمال النفس ومكارم الأخلاق
كان النبي صلى الله عليه وسلم يمتاز بفصاحة اللسان، وبلاغة القول، وكان من ذلك بالمحل الأفضل، والموضع الذي لا يجهل، سلامة طبع، ونصاعة لفظ، وجزالة قول، وصحة معان، وقلة تكلف، أوتي جوامع الكلم، وخص ببدائع الحكم، وعلم ألسنة العرب، يخاطب كل قبيلة بلسانها، ويحاورها بلغتها، اجتمعت له قوة عارضة البادية وجزالتها، ونصاعة ألفاظ الحاضرة ورونق كلامها، إلى التأييد الإلهي الذي مدده الوحي .