فهرس الكتاب
واما الاستراتيجية الادراكية الثانية، فهي مواجهة القومية العربية كأمر واقع يفرض نفسه فيتم الاعتراف بها كقومية كاملة مع تقليص مجال فعاليتها بحيث لا تضم الفلسطينيين. ويقول احد مؤرخي الحركة الصهيونية ان الاسهام الأساسي لوايزمان في النظرة الصهيونية الى العرب تتلخص في تمييزه بين العرب والفلسطينيين، إذ كان يرى إمكانية التوصل الى اتفاق مع القومية العربية، بل مساومتها، مقابل أن يتخلى العرب عن مطالبهم في فلسطين. وكان ايضًا، حسبما ورد في كتاب فلابان، صاحب النظرية القائلة بأن فلسطين جزء غير مهم من الوطن العربي الكبير. وكان ارلوسورف موافقًا على التعاون مع العرب، ولكنه كان متشائمًا بشأن التعاون مع الفلسطينيين. ويمكن أن نرى مفاوضات وايزمان / فيصل ومعظم اتصالات الصهاينة مع العرب في هذا الإطار. بل إن الصهاينة قدّموا عام 1930 مشروعًا طرحه موشيه بينكوس نائب رئيس تحرير دافار ونال تأييد بن جوريون الحذر، وهو في جوهره تعبير عن هذه الاستراتيجية. كان المشروع يدعو الى اقامة دولة يهودية في فلسطين تصبح جزء من اتحاد فيدرالي يضم الشرق العربي بأسره. وكان المفروض أن يشكل الفلسطينيون اقلية داخل الدولة المفتوحة، ولكنها هي نفسها كانت تشكل اقلية داخل اتحاد الدول العربية.
ولعل هذه الاستراتيجيات الادراكية هي أذكى الاستراتيجيات على الإطلاق وأكثرها تفرّد ودهاء وتعبيرًا عن خصوصية الصهيونية كحركة استيطانية احلالية لا تهدف الى غزو العالم واستعباده (على طريقة النازية) وإنما الى الاستيلاء على الأرض الفلسطينية وحدها دون سكانها. فعملية التهميش هنا تصبح مقصورة على الضحية المباشرة، أي الفلسطيني، دون حاجة الى استجلاب عداء الآخرين، سواء في الشرق أو في الغرب. ولا تزال محاولة تهميش العرب نمطًا اساسيًا في الادراك الاسرائيلي للعربي.
تغييب العربي