فهرس الكتاب
4ـ من الملاحظ أن المؤسسات الاستيطانية الصهيونية تقف على رأسها بدلًا من أن تقف على قدميها (ويمكن ان نسميها الهرم الاستيطاني الصهيوني المقلوب) ، فقد كان هناك مزارع الكيبوتس وهي تنظيمات زراعية هدفها الاستيلاء على الأرض التي ستزرع وتكوين طبقة مزارعين يهود. كما كان هناك الهستدروت، وهو نقابة عمال تهدف الى خلق الطبقة العمالية (وذلك على خلاف النقابات العمالية التي لا تظهر إلا كتعبير عن وضع قائم بالفعل) . ثم كانت هناك جماعات الحراس المختلفة مثل الحارس والهاجاناه والبالماخ وهي تنظيمات عسكرية تهدف الى خلق الشعب اليهودي (أي أن الجيش يسبق الشعب، او كما قال شاعر اسرائيلي، كل الشعوب تملك سلاح الطيران الا في اسرائيل حيث يوجد سلاح طيران يملك شعبًا) . بل إن الجامعة العبرية نفسها أسست بادئ الأمر كمبان وهيئة تدريس في انتظار الطلبة. ويمكن سحب هذا المنطق على كل الحركة الصهيونية، فهي قد بدأت بتأليف الحكومة التي كان هدفها الأساسي اقامة الدولة التي كانت ترمي اساسًا الى تجميع السكان (حكومة فدولة فشعب) . وما من شك في أن هذا يعود الى أن الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة هي صيغة غير يهودية تم تهويدها لتجنيد المادة البشرية التي رفضت هذه الصيغة او تملّصت منها. كما أن الأصول الطبقية لبعض العناصر البشرية المستوطنة صعّبت عليهم الاضطلاع بوظائف معينة، ولذا كان حتميًا أن يسبق عملية الاستيطان مؤسسات استيطانية مختلفة، مهمتها جذب المستوطنين وتدريبهم. كما أن من أهم سمات الاستيطان الصهيوني أن الكيان الاجتماعي الصهيوني في فلسطين لم يكن متكاملًا، بل كان في مرحلة بداية التكوّن والتشكّل، ولم يكن هدف المستوطنين الاندماج في المجتمع القائم بل إقامة كيان اجتماعي وسياسي مستقل.