فهرس الكتاب
لكل هذا ليس من الغريب أنه بعد انتهاء المؤتمر الصهيوني الأول قام أحد الصحفيين بنصيحة هرتزل بأن يدرس برنامج فلسطين الكبرى قبل أن يفوت الأوان، بحيث يمكن وضع عشرة ملايين يهودي فيها. وقبل ذلكن كان الصهيوني غير اليهودي، وليام هشلر، قد طلب من هرتزل، في 26 ابريل 1896، أن يتبنّى الشعار التالي ويروجه كشعار للدولة اليهودية: (فلسطين داود وسليمان) . ويبدو أن الاقتراح قد ترك انطباعًا ايجابيًا لدى الزعيم الصهيوني، ذلك أنه، بعد عامين، حدد منطقة الدولة اليهودية على أنها تمتد من نصر مصر الى الفرات. وقد ردد الحاخام فيشمان (عضو الوكالة اليهودية) هذا الشعار في 9 يوليه 1947، أثناء شهادته أمام لجنة التحقيق الخاصة التابعة للأمم المتحدة، فقال: الأرض الموعودة تمتد من نهر النيل حتى الفرات، وتشمل اجزاء من سوريا ولبنان. وهذا يوضح أن شعار (من النيل الى الفرات) ليس مجرد فريدة عربية وليس نتاج العقلية التآمرية، وانما هو جزء من التصور الصهيوني.
ومع هذا، ينبغي على المرء ألا يأخذ صيغة (من الفرات الى النيل) هذه بجدية تامة، فهي لا تعدو أن تكون أحد الأحلام الصهيونية. ولكن، ومع ذلك، يجب ألا يهمل المرء أوهام العدو عن نفسه كليًا، فهي تعطينا مؤشرات عن نيته وعن تصوره لحدود حركته. وعلى كل، فإن ما يهمنا في السياق الحالي ليس الحدود الجغرافية او التاريخية الوهمية للدولة الصهيونية وإنما الذهنية الصهيونية التوسعية نفسها. وقد يكون من الأفضل أن نأخذ بعين الاعتبار الكلمات التي سجلها هرتزل في يومياته حين قال: كلما زاد عدد المهاجرين اتسعت رقعة الأرض، أي أنه لم يعرّف حدود الأرض بشكل قاطع، وإنما آثر أن يحتفظ بحدود مطاطية تتغير بتغير القوة الذاتية الصهيونية، التي عرّفها هو بتزايد عدد المهاجرين. ورؤية هرتزل هي الرؤية التي تبناها الصهاينة بعد ذلك.