فهرس الكتاب

الصفحة 184 من 413

وأدت حرب الخليج الثانية الى ابراز عدد من الفجوات في مفهوم الامن القومي الاسرائيلي، حيث أوضحت أولًا ان الجيش الاسرائيلي لا يمتلك قدرة ملائمة مضادة للتهديدات الصاروخية لا سيما التهديدات القادمة من بعد. وادى القصف الصاروخي العراقي ـ رغم محدودية تأثيره المادي ـ للعمق الاسرائيلي الى انكشاف المؤخرة الاسرائيلية بما فيها من تجمعات سكانية كثيفة، وازداد إدراك الخطر الصاروخي في ظل سعي دول المنطقة الى امتلاك قدرة صاروخية بامكانها اصابة اهداف استراتيجية اسرائيلية. كما ان حرب الخليج من ناحية ثانية أظهرت استحالة قيام الجيش الاسرائيلي بتنفيذ مفهومه الامني التقليدي القائم على نقل الحرب بسرعة الى أرض الخصم، وخصوصًا ان عنصر البعد الجغرافي قلل كثيرًا قدرة السلاح الجوي الاسرائيلي على توجيه ضربات عنيفة الى العراق.

يضاف الى ذلك ان عملية تسوية الصراع العربي الاسرائيلي سوف تكون لها انعكاسات استراتيجية بارزة، حيث يفترض ان تفضي هذه العملية الى قيام اسرائيل بتقديم تنازلات جغرافية اقليمية وهو ما يعني تأكل العمق الاستراتيجي، والتخلي عن مفهوم الحدود الآمنة بالمعنى الجغرافي، واقامة تعاون اقتصادي يكفل اقامة شبكة علاقات اقتصادية متداخلة بين جميع دول المنطقة.

لقد أثبتت حرب الخليج انعدام جدوى دور اسرائيل القتالي. ثم مع سقوط الاتحاد السوفيتي وظهور النظام العالمي الجديد بدأ مفهوم الامن القومي الاسرائيلي يتشكل حسب ألوان جديدة، هي مجرد تنويعات جديدة على النغمة الاساسية القديمة. فالثوابت ستظل كما هي (البقاء حسب الشروط الصهيونية وتوظيف الدولة في خدمة المصالح الغربية) ، ولكنها ستكتسب اشكالًا جديدة مثل التعاون العسكرية مع بعض الدول العربية والمحيطة بالعالم العربي. والعدو هنا لم يعد النظم العربية الحاكمة ولا جيوشها، وإنما أشكال المقاومة الشعبية المختلفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت