فهرس الكتاب
وبظهور الرأسمالية القومية وتزايد معدلات العلمنة (انظر الملحق) في المجتمعات الغربية، اهتزت هذه الانعزالية بعض الشيء، وظهرت حركة التنوير اليهودية واليهودية الاصلاحية اللتان كانتا تحاولان تشجيع اليهود على الاندماج مع الشعوب. لكن الرؤية الثنائية المستقطبة عاودت الظهور بكل قوتها مع ظهور الصهيونية التي ترى أن اليهود شعب مختلف عن بقية الشعوب لا يمكنه الاندماج فيها، كما شجعت الانفصالية باعتبارها وسيلة مشروعة تحافظ بها أقلية عرقية على نفسها وتقاليدها وتراثها. فتحاول الصهيونية أن تنشئ سياجًا بين يهود الخارج وبين الآخرين (ومن هنا الاهتمام الشديد بتأكيد ظاهرة معاداة اليهود والإبادة النازية لليهود باعتبارها العلاقة النموذجية والحتمية بين اليهودي والأغيار) . كما أن الصهاينة يشجعون اليهود على الاهتمام بهويتهم اليهودية وبإثنيتهم حتى لا يذوبوا في الآخرين. ويشار في الولايات المتحدة الى الذكر غير اليهودي على أنه (شيكتس) ، والى الانثى غير اليهودية على أنها (الشيكسا) (وهما كلمتان مضمونهما الدلالي يتضمن فكرة الدنس والنجاسة وعدم الطهارة) . ويشار الى (الشيكسا) على أنها حيوان مخيف يختطف الأولاد اليهود. ويشار الى الزواج المختلط على أنه (هولوكوست صامت) ، أي (إبادة صامتة) .
وفي الأدبيات الصهيونية العنصرية، فإن الصهاينة يعتبرون العربي على وجه العموم، والفلسطيني على وجه الخصوص، ضمن الأغيار حتى يصبح بلا ملامح او قسمات (ويشير وعد بلفور الى سكان فلسطين العرب على أنهم(الجماعات غير اليهودية) أي (الأغيار ) ) . وينطلق المشروع الاستيطاني الصهيوني من هذا التقسيم الحاد، فالصهيونية تهدف الى انشاء اقتصاد يهودي مغلق، والى دولة يهودية لا تضم أي أغيار. ومعظم المؤسسات الصهيونية (الهستدروت، والحركة التعاونية، والجامعات) تهدف الى ترجمة هذا التقسيم الحاد الى واقع فعلي، كما أن فكرة العمل العبري تنطلق من هذا التصور.