فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 413

ولكن الدافع وراء اقتحام العمل لم يكن نفسيًا/ طبقيًا فحسب، بل كانت هناك ضرورات عملية يحتمها واقع الاستعمار الاستيطاني الاحلالي في فلسطين، فالأرض التي هاجر اليها اليهود لم تكن خالية من السكان، ولذا كان يتحتم اجلاؤهم وشغل اعمالهم. وقد أدرك المستوطنون منذ البداية أهمية العمل العبري كأساس للاستيطان الاحلالي، فاستئجار العمال العرب كان يعني ان المستوطن الصهيوني سيظل معتمدًا على العرب غير مستقل عنهم، كما انه في نهاية الامر سيجعل تحقيق أغلبية يهودية أمرًا مستحيلًا. ولذا، لم يكن هناك مفر من احلال العامل اليهودي محل العامل العربي، وكان خلق وظائف جديدة للمهاجرين الجدد امرًا حتميًا، وهو أمر كان من العسير تحقيقه دون اللجوء الى اقتحام العمل.

وقد قاوم بعض المستوطنين هذا المفهوم الصهيوني العمالي لتناقضه مع مصالحهم الاقتصادية، فالرأسمالي اليهودي كان يفضل العامل العربي الكفء قليل التكلفة على العامل العبري غير الكفء مرتفع التكلفة. وقد قام الصهاينة العماليون بتنظيم اضرابات عديدة ضد الرأسماليين اليهود الذين لا يحافظون على نقاء او طهارة المستوطن، الا ان الصهاينة العماليين كانوا مع هذا يؤكدون ان غزو الارض لم يكن يتم لحساب الطبقة العاملة اليهودية وحدها وانما لحساب الشعب اليهودي ككل وان التناقض بينهم وبين الرأسماليين لم يكن ينصب الا على نقطة جزئية خاصة باصرار الفريق الآخر على استئجار العمل العربي.

وكمحاولة لحل هذا التناقض، لجأ المستوطنون الى (استيراد) بعض اليهود الشرقيين من اليمن، فالعامل اليمني كان عاملًا عبريًا (مقدّسًا) يرضي المطامع الاحلالية لدى الصهاينة العماليين، ولكنه كان في الوقت ذاته عاملًا عربيًا رخيصا يرضي شراهة الصهاينة الرأسماليين. ولكن المشكلة زادت تفاقمًا لان العمال اليمنيين لم يكونوا سعداء بأحوالهم، الامر الذي اضطر المستوطنين الى وقف استيراد اليهود من اليمن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت