فهرس الكتاب
ويتبدّى الاتجاه العنصري، الذي يسوغ الاستعمار والعنف والابادة باسم التقدم، في مذكرة بعث بها حاييم وايزمان (1874 ـ 1952) ، أول رئيس لدولة اسرائيل، الى الرئيس ترومان (في 27 نوفمبر 1947) يشرح له فيها أن المجتمع الصهيوني في فلسطين يضم اساسًا فلاحين متعلمين وطبقة صناعية ماهرة تعيش على مستوى عال، ثم يقارن بين هذه الصورة المشرقة والصورة الكئيبة للمجتمعات الأمية الفقيرة في فلسطين.
وإذا نظرنا الى الجانب الآخر لأسطورة عبء اليهودي الأبيض، وهو التفوق التكنولوجي للصهاينة (وليس العرقي) ، الذي سيجعلهم رسلًا للتقدم يقومون بتطوير المجتمع ودفعه من المرحلة الدنيا التقليدية الى المرحلة العليا الحديثة، فإننا نجد أن كتابات الصهاينة تزخر بها. وقد اقتبسنا بعضًا من كتابات بن جوريون (الصهيوني الاشتراكي) وغيره، في دفاعهم عن الاستعمار الصهيوني، باعتبارهم ممثلين للحضارة الغربية. ولا شك في أن المستوطنين الصهاينة كانوا عارفين بالتكنولوجيا وبوسائل التنظيم والقيم السياسية المعاصرة، كما كانوا جماعة معاصرة فعلًا، وقد نقلوا قيمهم ومؤسساتهم المعاصرة الى الوطن الجديد، فنظموا النقابات العمالية والأحزاب السياسية، وأجروا الانتخابات على أساس صوت واحد لكل ناخب. بل إنهم مارسوا أحيانًا أشكالًا من الاشتراكية، من حيث عدالة توزيع الدخل او الإيمان بأهمية العمل اليدوي ومساواته بالعمل الفكري. ولكن كل هذه الأشكال المعاصرة من التنظيم، وهذه القيم الديمقراطية والاشتراكية، ظلت مقصورة على الصهاينة وحدهم، تُطبّق على مجتمعهم الصغير (الميكرو) وليس على المجتمع كله. ولم يحاول الصهاينة تحديث المجتمع بأكمله بل على العكس حاولوا أن يوقفوا تطوره (وهذا الدور يقف على الطرف النقيض من الدول الذي تلعبه النخبة المعاصرة ذات الأصول القومية) .