فهرس الكتاب
وقد بذل المستوطنون جهدهم في أبقاء السكان الاصليين في مستوى حضاري متخلف، ومنعهم من تنظيم انفسهم داخل أطر معاصرة (نقابات عمال ـ احزاب سياسية) ، وفضلوا التعامل معهم داخل أطر المجتمع التقليدي وتنظيماته. ولذا، فقد فضلوا التعامل مع كبار الملاك وزعماء العشائر. وقد رفض الهستدروت (اتحاد العمال المستوطنين الصهاينة) السماح للعمال العرب بالانتظام في صفوفه إلا في تاريخ قريب. كما أن الدولة الصهيونية (العصرية الديمقراطية) ترفض الاعتراف بحق تقرير المصير للسكان الاصليين او حقهم في المشاركة في النظام السياسي الصهيوني الجديد عن طريق تكوين الاحزاب والاشتراك في الانتخابات، وترفض ايضًا تشكيل دولة تضم كلًا من العنصر السكاني الدخيل والعنصر الأصلي على قدم المساواة.
والى جانب هذا، هناك الحقيقة الأساسية، وهي أن جماعة المستوطنين الغزاة تسرق من السكان الأصليين أرضهم، أي تسرق منهم الأساس المادي لأي تقدم، وتهدم نمط حياتهم (الإطار الاجتماعي الذي تتحقق من خلاله ذواتهم التاريخية) . ولذا، تتغير الأولويات، ويصبح واجب المواطن الاصلي (الجزائري او الفلسطيني) هو البقاء وليس التقدم. ولعل هذا هو الذي يفسر سر رفض موسى العلمي لكلمات بن جوريون الحلوة العذبة حين تقابلا عام 1936 في منزل موشي شاريت. فطبقًا لما جاء على لسان بن جوريون بدأ الحديث بترديد النغمة (القديمة) التي أعدها عن المستنقعات التي يجري تجفيفها، والصحارى التي تزدهر بالخضرة، والرخاء الذي سيعم الجميع. ولكن العربي قاطعه قائلًا: (اسمع! اسمع يا خواجه بن جوريون، إنني أفضل أن تظل الأرض هنا جرداء مقفرة مائة عام أخرى، او الف عام آخر، الى أن نستطيع نحن استصلاحها ونأتي لها بالخلاص) . ولم يسمع بن جوريون إلا أن يعلق (فيما بعد) بأن العربي كان يقول الحقيقة، وأن كلماته هو بدت مضحكة وجوفاء.
2ـ عبء اليهودي الخالص: