فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 413

إذا كانت الديباجات التي تستند الى فكرة اليهودي الخالص فريدة مقصورة على الصهاينة، فإن الديباجات التي تستند الى فكرة اليهودي الاشتراكي وحقوقه في فلسطين قد تكون أكثر تفردًا وطرافة. ومن المعروف أن كثيرًا من الشباب من أعضاء الجماعات اليهودية انضموا الى صفوف الحركات الثورية، وقد سبب هذا حرجًا شديدًا لليهود المندمجين. وقد باعت الصهيونية نفسها باعتبار أنها الحركة التي ستحول الشباب اليهودي عن طريق الثورة. والواقع أن اسطورة الاستيطان العمالية برزت لتحقيق ذلك الهدف. تقوم هذا الأسطورة بتسويغ الاستيطان الصهيوني لا باسم التفوق العنصري او التقدم الحضاري الأزلي او الحقوق المقدّسة الأزلية بل على أسس اشتراكية علمية (والاشتراكية في هذه المنظومة هي موضع الحلول، وهي ايضًا اللوجوس المتجسد في التاريخ) . ومن ثم، فإن الحقوق اليهودية تستند ـ حسب هذه الاسطورة ـ الى المثل الاشتراكية العليا (ومنها نبل العمل اليهود) . ولم يكن هذا المنطق مقصورًا على الصهاينة وحدهم، فثمة اتجاه داخل الحركة الاشتراكية الغربية يطلق عليه اصطلاح (الاشتراكية الامبريالية) ، وتضم اولئك الاشتراكيين الذين وجدوا أن من المحتم عليهم (باسم التقدم والأممية) تأييد الامبريالية الغربية لأنها تعبير عن الرأسمالية الغربية (أعلى مراحل التطور الاجتماعي والاقتصادي الذي بلغه الإنسان) . كما أنهم كانوا يرون أن الإمبريالية، بغزوها آسيا وافريقيا، ستقضي على كل المجتمعات التقليدية فيها، كما ستقضي ايضًا على التخلف وتجلب الصناعة والتقدم لها. ومن هذا المنطلق، شجع بعض اتباع سان سيمون وكذلك فردريك انجلز الاستعمار الاستيطاني في الجزائر، كما دافع كثير من الاشتراكيين الهولنديين عن (الهجمة الحضارية) التي شنتها بلادهم على الأندونيسيين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت